الصفحة 5 من 36

إن سورة الممتحنة من السور التي وافقت حركة المجتمع المسلم في تنزلاتها في مرحلةٍ حرجة من مراحل صراع الدولة الإسلامية مع رموز الكفر آنذاك، ولعمر الحق إننا اليوم بحاجة إلى تدبر وتمعن هذه السورة وكأنها تتنزل علينا اليوم وذلك لشدة ملابستها للواقع المعاصر، ولسوف يبدو عيانًا لكل ذي بصيرة أن أسباب النزول التي سنتعرض لها في هذا الموضع لا تختلف عن مفردات واقع الصراع الذي تخوضه الأمة اليوم إلا في أسماء الأشخاص اللهم إلا ما كان له تعلق بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم أو بأحداث دينية لا تتكرر بطبيعتها وإن كانت تتكرر نظائرها وأعني بطبيعة الحال الهجرة الأولى من مكة إلى المدينة فقد ثبت في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم:"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادٌ ونية وإذا استُنفرتم فانفروا" [11] ، فهذه الهجرة المخصوصة قد مضت لأهلها، ولكن بقي لها نظير في الهجرة المعنوية من الكفر إلى الإسلام ومن المعصية إلى الطاعة وأخرى حسية في هجرة دار الكفر إلى دار الإسلام وفي النفير لنصرة المسلمين كما دل عليه توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لمجاشع بن مسعود السلّمي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى اله عليه وسلم أبايعه على الهجرة فقال:"إن الهجرة قد مضت لأهلها ولكن على الإسلام والجهاد والخير" [12] . والشاهد على كل حال هو ضرورة عدم الوقوف ببصائرنا عند رسوم وشخوص أصحاب مناسبات نزول الآي، بل نتجاوز ذلك إلى صفات من نزلت فيهم ومناسبات هذه التنزلات حتى تتيسر لنا (معرفة حكمة الله تعالى على التعيين فيما شرعه بالتنزيل) [13] ، فآي القرآن التي أنزلها الله تعالى وبيَّن فيها شرائعه إنما تدور حول مصالح العباد جلبًا ومفاسدها درءً، ولا يمكن أن يتسنى لنا فهم ذلك فهمًا صحيحًا كاملًا إلا بالتدبر في آحاد الحوادث التي تتعامل معها آيات التنزيل ومفردات التشريع الإسلامي العظيم، ولقد اقتصرت فيما يلي على الصحيح مما ورد من أسباب ومناسبات نزول آيات هذه السورة العظيمة، فلنتأمل.

أولًا: سبب نزول فاتحة السورة:

تقدم معنا أن قريشًا نقضت عهد النبي صلى الله عليه وسلم بمظاهرتها على خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وقد بيَّت النبي صلى الله عليه وسلم المسير لفتح مكة وعمى على ذلك وتستر عليه، وفي الصحيح أن عليًا رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوا منها، قال: فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة قلنا لها أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتُخرجِنّ الكتاب أو لنلقيَنّ الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يُخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا حاطب، ما هذا؟"قال: يا رسول الله لا تعجل علي، إني كنت امرأً ملصقًا في قريش، يقول: كنت حليفًا ولم أكن من نفسها، وكان معك من المهاجرين من لهم بها قرابات يحمون أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما إنه قد صدقكم"فقال عمر:"يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق"فقال:"إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا قال اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم"فأنزل الله السورة:"يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق"إلى قوله"فقد ضل سواء السبيل" [14] ، وهذا الحديث والآية من أعظم الأصول المقررة لعقيدة الولاء والبراء كما سنبينه لاحقًا إن شاء الله، وسأرجئ التعليق على الحديث إلى موضعه من الكلام على الآية إن شاء الله.

ثانيًا: سبب نزول الآية الثامنة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت