على كل حال؛ ففي كثير من البلاد لا يهمهم ما تعتقده أو تقوله وتوجهه للمحققين، بقدر ما يهمهم ما الذي قلته في الشارع أو المسجد وبحضرة الناس وسمعهم وبصرهم من سب الطاغوت والتحريض عليه، وفي بعضها لا يضرك ما تقوله في حضرة المحققين حتى توقع عليه في أوراق التحقيق، فبالإمكان قول كلمة الحق والصدع بها، وعدم التوقيع على تلكم الأوراق، وبإمكان الأخ الموحد أن يجيب بالعموم دون تخصيص طاغوت باسمه، ولكل مقام مقال ولكل بلد حال، والموحد يقدر ذلك بقدره.
لكن الأولى للأخ الموحد خصوصًا إن كان ممن يتصدرون لدعوة الناس وقول كلمة الحق، أن يثبت عليه في وجه الطاغوت ولو ضرب أو أوذي وسمع منهم ما سمع، إذ هو ليس أول من سلك هذه الطريق العظيمة ولا آخرهم، وقد سبقه عليها النبيون والصديقون والشهداء، فكم أوذي الرسل حتى قتل بعضهم وكذلك الصالحون من اتباعهم حملوا على الألواح ونشروا بالمناشير فما زادهم ذلك إلا إيمانًا وتسليما (9) ، وقد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره فنهاه فقتله) ، فإياك وإرضاء الناس بسخط الله، لكن أسخط الناس في رضى الله تملك قلوبهم وتقهرهم، ويقذف الله مهابتك في صدورهم.
وقد جرب ذلك كثير من إخواننا الموحدين في أحلك الظروف فما زادهم ذلك إلا احترامًا وإكبارًا وإجلالًا ورهبةً في قلوب أعداء الله، وقد روى الإمام احمد وغيره عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم) .
ثم لا تنس أخي الموحد؛ أن هذه المواقف يشهدها الملأ الأعلى ويسمعها ويراها الله تبارك وتعالى وتكتب، فلتسجل لنفسك موقفًا يباعدك عن أعداء الله ويقربك من سيدك ومولاك، وتباهي به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.