ثانيًا: في حكم الفرار من الكفار حال الاستضعاف هل هو على الوجوب أم الاستحباب أم ماذا؟
إذا تقرر ما سبق وعرفت مشروعية الفرار من الكفار حال الاستضعاف بقي أن تعرف حكمه، فنقول وبالله التوفيق:
إن ذلك يرجع إلى حال الطالب والمطلوب.
فإذا كان المطلوب ذا جاه أو عشيرة أو منعة ويعرف أو يترجح لديه أنه لن يُذل أو يُفتن بذهابه إليهم، جاز له ذلك، بل ربما استحب إذا كان قادرًا على أن يظهر دينه بين ظهرانيهم ويسمعهم ما يكرهون من التوحيد وعيب آلهتهم ومعبوداتهم والبراءة من باطلهم وشركياتهم.
اما إن كان المطلوب ضعيفًا وترجح له أنهم سيذلونه أو يفتنونه أو يسمعونه من الكفر البواح والشرك الصراح ما لا يقدر على رده بل ربما أظهر إقراره له ورضاه به تقية بعد أن ذهب إليهم برجليه مختارًا، فمثل هذا لا يحل له الذهاب إليهم مختارًا بغير اعتقال أبدًا.
لأنه مشيٌ وسعيٌ بالرجلين إلى الفتنة وقد تقدم النهي عن ذلك في الأحاديث المتقدمة، وللمطلوب في هذه الحالة أسوة حسنة في الأنبياء والصالحين وأتباعهم من الصالحين الذين كانوا يفرون بدينهم من الكفار.
وفي هجرة المهاجرين الأولين إلى الحبشة عبرة لهذا.
لأنه قد هاجر إليها من خاف وخشي أذى المشركين وفتنتهم أما أشراف الناس كأبي بكر وعمر ونحوهم فإنهم لم يهاجروا حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة.
ولا يقال أن المطلوب في هذه الحالة يكون مكرهًا فيجوز له الاستجابة لهم والذهاب ومن ثم يستعمل التقية عندهم، كما قد حصل مع كثير ممن ذهبوا إلى أولياء الطاغوت باختيارهم لما سئلوا عنا وعن دروسنا حيث قال بعضهم:"لو نعلم أن دروس أبي محمد تخل بأمن النظام أو شيئًا نحو هذا لكنا أول من يبلغ عنه"، فهذا إظهار للموالاة لهم، ولمعاداة من يخل بأمن النظام الكافر، من غير ضرورة ولا إكراه.
فإن قيل؛ قد كنا حين قلنا ذاك بين أيديهم وفي سلطانهم؟