قيل: لكنكم قد ذهبتم ودخلتم أنتم بأنفسكم بين أيديهم وفي سلطانهم بادئ الأمر مختارين غير معتقلين ولا مكرهين.
ولذلك ما أشبه حال هؤلاء - أعني من أظهر مشايعة الكفار والرضى الظاهر عن كفرهم وشركهم ثم تعذر بالتقية والإكراه مع أنه كان قادرًا قبل ذلك على الهجرة والفرار، أقول ما أشبههم بحال من أسلم بمكة ولم يهاجر ويلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مشحة بالمسكن أو الزوجة أو الوطن، حتى إذا كان يوم الفرقان يوم التقى الجمعان أخرجهم المشركون كرهًا وجعلوهم في مقدمة الصفوف، فكان المسلمون إذا ما رمى بعضهم بالسهم وقع في أحدهم فيقولون قتلنا إخواننا، فانزل الله تبارك وتعالى قوله: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} ، فلماذا لم يعذر الله عز وجل هؤلاء مع أنهم تعذروا بالاستضعاف وأخرجوا في صفوف الكفار مكرهين،؟! الجواب: لأنهم لم يكونوا مكرهين حين جلسوا بين ظهرانيهم بادي الأمر، بل كانوا قادرين على الفرار والهجرة أول مرة، فلما قصروا في ذلك لم يعذروا بتسلط المشركين عليهم واستضعافهم بعد ذلك، لأنهم كانوا سببًا في ذلك الاستضعاف والتسلط.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في رسالة"حكم موالاة أهل الإشراك"المعروفة عند أهل نجد بـ"الدلائل"، لأنه ذكر فيها أكثر من عشرين دليلًا على كفر من تولى أهل الشرك، قال عن الآية السابقة: (فإن قال قائل: هل كان الإكراه على الخروج عذرًا للذين قتلوا يوم بدر؟ قيل لا يكون عذرًا لأنهم أول الأمر لم يكونوا معذورين إذ أقاموا مع الكفار، فلا يعذرون بعد ذلك بالإكراه، لأنهم السبب في ذلك، حيث أقاموا معهم وتركوا الهجرة) أهـ.