الصفحة 105 من 108

الحال الثانية: من لم يكن بحضرة علم، ولا يقدر على أن يحصله، كمن نشأ في بادية بعيدة أو في بلد كفر.

فيعذرون بالجهل ولا يكفرون إلا بعد قيام الحجة ولا يشترط في ذلك فهم الحجة فهم الانقياد والاقتناع وأن يفهم رجحان الحجة الرسالية على حجته أو شبهته بل يكفي فهم المعاني والبيان في قيام الحجة كما قال تعالى"وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم"فليس كل من كفر كفر عن عناد بل قد يكفر لضلال منعه من فهم الحجة كما قال تعالى"وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه"وقال تعالى"وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير".

أما من كان بحضرة علم وبين المسلمين وادعى جهل هذا المسائل، فلا يعذر بذلك.

القسم الثالث: المسائل الخفية: وهي التي قد تخفى على عامة المسلمين ولا يعلمها إلا الخاصة، كبعض مسائل الاسماء والصفات ونحوها.

كما في حديث الرجل الذي أسرف على نفسه فلم يعمل خيرا قط إلا التوحيد، فأوصى بنيه عند موته أن يحرقوه ويذروا رماده، وقال:"لإن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحد من العالمين"متفق عليه، وفيه جهله بسعة قدرة الله تعالى، وأنه سبحانه قادر على بعثه حتى وإن احترق وتفرقت أجزاؤه، ومع هذا فقد غفر الله له لتوحيده وخشيته، فدل على أن الخطأ والجهل في مثل هذا الباب يعذر فيه الجاهل إن كان من أهل التوحيد.

فهذه يعذر فيها بالجهل من جهلها، ولا يكفر إلا بعد قيام الحجة.

-مسألة: من فعل أو قال ما هو كفر في الشرع ولم يعلم بأنه كفر، وقال لو علمت بأنه كفر لما فعلته، ولكنه علم أنه منهي عنه، وأن الشريعة جاءت بالنهي عنه، فهذا يكفر ويكفي علمه بأنه منهي عنه، كما ذكر شيخ الإسلام فقال في الفتاوى في قوله تعالى"قد كفرتم بعد إيمانكم"دل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله ورسوله يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم ولكن لم يظنوه كفرا، وكان كفرا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه"انتهى كلامه."

-يجب أن يعلم أن الجهل إنما يكون مانعا وعذرا إذا لم يتمكن صاحبه من دفعه، أما من كان متمكنا من إزالته ودفعه وفرط وقصر في طلب العلم ورفع الجهل عنه، فهذا لا يعذر بجهله ويكون كالعالم حكما.

الخامس: الإكراه: ويقابله الاختيار بأن يكون مكرها على الفعل أو القول المكفر بغير إرادته، وهو خاص بالقول والعمل، ولا يدخل الاعتقاد إذ لا يمكن الإكراه على الاعتقاد لعدم اطلاع الناس على ذلك، ودليله قوله تعالى"من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم".

-واشترط العلماء لصحة الإكراه شروطا وهي:

الأول: أن يكون المكرِه قادرا على إيقاع ما يهدد به، والمكرَه عاجزا عن الدفع ولو بالفرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت