الحمد لله؛ {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ * مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَاخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، القائل: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض) [رواه الحاكم بسند صحيح] .
أما بعد:
فقد أردنا أن نبين منهجنا في الأخذ بهذين الأصلين اللذين يُضمن لمن أخذ بهما عدم الضلال مع بيان حجتنا على ذلك منهما، وبيان تقصير أكثر من يدعي التمسك بهما.
ونكتفي بذكر ثلاث طوائف يظهر لنا أنها أقرب الطوائف إلى التمسك بالكتاب والسنة.
نرجو الله أن يجعلهم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن لا تصدهم مكانتهم بين الناس، وأن يوفقوا كما وفق عبد الله بن سلام.
حيث قبل الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع علمه أن قومه سيقلبون حسناته سيئات وسيفقد مكانته بينهم، كما ورد في البخاري ذكر قصة إسلامه إلى أن قال: (يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي يبهتوني) ، فجاءت اليهود فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أي رجل فيكم عبد الله بن سلام) ؟ قالوا: (خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا) ، قال: (أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟) ، فقالوا: (أعاذه الله من ذلك) ، فخرج عبد الله فقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله) ، فقالوا: (شرنا وابن شرنا) ، وانتقصوه، قال: (فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله) .
وأن يقيهم مداخل الشيطان الذي يدخل على بعض العلماء والدعاة، فيغرهم بكثرة الاتباع، وقد رأيناهم يأخذون بجانب من الإسلام الذي هو بضع وسبعون شعبة؛ فربما أخذ منه عشرين شعبة - مثلا - فيلتزم بها ويشدد على مخالفيه فيها، وعندها يكون له أنصار وأعداء، وهو ربما فقد الأصل فيغر نفسه ويغر غيره ويظن هو وغيره أنهم قاموا بالإسلام.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه) [رواه الحاكم وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل وقد حسن الحافظ في الفتح - ج 7/ص220 - القصة التي هذا الحديث جزءا منها] .
والذي فارقنا نحن من أجله الجماعات؛ هو أنهم يرون أن التبرؤ من المشركين وإظهار عداوتهم والصدع بالحق؛ فيه حرج ومشقة، ومانع من انتشار الدعوة، ويسبب تنفير الناس عنها، فكان منهم من تساهل في هذا الأصل، ومنهم من تركه بالكلية.
ونحن نقول؛ أنه بخلاف ما يتصورون، لأن الله قد رفع عنا الحرج وأمرنا بهذا الأصل، ولو كان فيه حرج ما أمرنا به.
واسمع إلى قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} .
فإذا كان الله قد أمرنا بالجهاد وبين لنا أنه لا حرج فيه وأن ذلك هو ملة إبراهيم، فاعلم أن هذا الأصل - الجهاد بالنفس واتباع ملة إبراهيم - هو الذي يميز الصادق من المدعي.
واسمع ما ذكر الله في الصادقين: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} .