الصفحة 5 من 15

ليعلم دعاة اليوم أنه لا يُدرَك النصر في الدنيا والجنة في الآخرة إلا بما يتهربون منه، كما قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} .

وهذا هو ما فهمه المؤمنون يوم الأحزاب، حيث قال الله فيهم: {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} .

فهذه مقالة المؤمنين الموقنين.

ولكن هناك صنف معوق، يثبطون العزائم ويدعون الناس إلى ما هم فيه من بعد عن الإيذاء والمشقة، كما قال الله في أسلافهم: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَاتُونَ الْبَاسَ إِلَّا قَلِيلًا} .

فهم علموا أن تصريحهم للظلمة بما وقعوا فيه؛ سوف يؤدي إلى فتنتهم، فأخذوا بالجانب الذي يرضى الظلمة به ويوافقونهم عليه، ومعلوم أن سلطاتهم قد كرهوا ما أنزل الله، لذلك فهم يخالفون حكم الله.

واسمع صفتهم؛ قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} .

قال صاحب تفسير"أضواء البيان"رحمه الله: (إن هذه الآيات عامة في كل ما يتناوله لفظها، وإن كل ما فيها من الوعيد عام لمن أطاع من كره ما أنزل الله) .

وقال رحمه الله: (مسألة؛ اعلم أن كل مسلم يجب عليه في هذا الزمان تأمل هذه الآيات من سورة محمد وتدبرها والحذر التام مما تضمنته من الوعيد الشديد، لأن كثيرا ممن ينتسبون إلى المسلمين اليوم داخلون بلا شك فيما تضمنته من الوعيد الشديد، لأن عامة الكفار من شرقيين وغربيين كارهون لما أنزل الله؛ وهو هذا القرآن وما بينه به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من السنن، فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما أنزل الله؛ سنطيعكم في بعض الأمر، كالذين يتبعون القوانين الوضعية، مطيعين بذلك للذين كرهوا ما أنزل الله، فإن هؤلاء لا شك أنهم ممن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، وأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، وأنه أحبط أعمالهم، فاحذر كل الحذر من الدخول في الذين قالوا سنطيعكم في بعض الأمر) اهـ.

ونحن نقول:

أن هؤلاء وإن تصنعوا بدعوى الإيمان، فقد سماه الله زعما، لأنهم لم يُكرهوا على الحكم بغير ما أنزل الله، وإنما هي رغبة وانقياد وترجيح منهم؛ بأن هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا} .

فسمى الله إيمانهم زعما بسبب هذه الإرادة، فكيف بمن نصب الطاغوت في دولته ويرضى به ويعاقب من خالفه؟!

وسكوت دعاتهم عن التحذير عنهم؛ كان نتيجة طاعة الظلمة عندما منعوهم من التكلم فيما يمس طاغوتهم، المتمثل في الحكم بغير ما أنزل الله وموالاة الكفار ومؤاخاة المشركين ... وغير ذلك، وهذا السكوت ينافي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم - كما سبق بيان ذلك -

فاسمع - يا أخي - يجب عليك الانتباه لذلك وأن تَعرض نفسك على الكتاب والسنة وتحذر من تلبيس الملبسين الذين أعرضوا عن قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت