كما بين صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري في"كتاب الحدود"عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (إن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ومن يجترء عليه إلا أسامة حب رسول الله؟ فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"أتشفع في حد من حدود الله؟!"، ثم قام فخطب فقال:"أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف منهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها") .
فإقامة الحد على الضعيف؛ حق لله، وهو عدل لا ينكر على من عمله، ولا على من تكَلم فيه وشدد، ولكن الضلال جاء من كون الذي ينفذ الحد على الضعيف لا ينفذه على القوي.
فهاتان الفرقتان ومن شاكلهما؛ إن أخطأ من لا سلطة في يده شددوا عليه وعادوا، أما إن أخطأ أصحاب السلطان الذين يعيشون تحت أيديهم ويخافونهم ويرجونهم؛ التمسوا لهم العذر، فإن لم يجدوا لهم عذرا؛ التمسوا لأنفسهم العذر بالضعف وعدم القدرة على التغيير.
فتبين لك وجه المطابقة بين الفريقين في تنفيذ الحق على الضعيف والسكوت عن القوي.
فدعوى تمسكهم بملة إبراهيم؛ فيها نظر، فقد عرفت أنه عليه السلام لم يسلك سبيلهم في البيان ولا في الإنكار.
فالسكوت عن البعض والبيان للبعض؛ يخالف ملة إبراهيم الذي لم يَخف على نفسه ولا على ماله، ويخالف هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إذ أمره ربه بقوله: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} .
قال ابن القيم رحمه الله:
واصدع بما قال الرسول ولا تخف من قلة الأنصار والأعوان
واجعل كتاب الله والسنن التي ثبتت سلاحك ثم صح بجنان
من ذا يبارز فليقدم نفسه أو من يسابق يبد في الميدان
فالله ناصر جنده وكتابه والله كاف عبده بأمان
لا تخشَ من كيد العدو ومكرهم فقتالهم بالكذب والبهتان
فجنود أتباع الرسول ملائك وجنودهم فعساكر الشيطان
واثبت وقاتل تحت رايات الهدى واصبر فنصر الله ربك داني
ولم يقل إبراهيم عليه السلام مثلما يقولون اليوم:"نخشى الفتنة"! {أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} ، بل إنه عليه السلام أُمسك به وأُلقي في النار، وهو صامد لا يتراجع ولا يداهن.
وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ عاداه أبو جهل وقومه وحاربوه، ولم يصده ذلك عن بيان الحق والتصريح بالعداوة لهم.
وكذلك كان الصحابة رضي الله عنهم؛ نراهم أُخرجوا من ديارهم وأموالهم، ولو فهموا الدين كما فهمه هؤلاء في زماننا هذا؛ لعاشوا مع أبي جهل وأعوانه كما يعيش دعاة اليوم مع أنصار أبي جهل.
فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يُبعث مسالما لأعداء الدين، وإنما بعث"فرق بين الناس"، أرسله الله؛"ليبتليه ويبتلى به"، وأرسله"ليحرق قريشا"، فخاف صلى الله عليه وسلم أن تثلغ قريش رأسه، فلم يقره ربه على هذا الخوف، بل أمره أن يستخرجهم كما استخرجوه [رواه مسلم في صحيحه، باب الصفات التي يعرف بها أهل الجنة وأهل النار في الدنيا] .
فنقول لدعاة اليوم:
أنتم علمتم أن بيانكم ومعاداتكم وتبرأكم من أعداء الدين سيؤدي لمعاداتهم لكم وإخارجهم لكم - وهذه هي ملة إبراهيم عليه السلام -
وهي التي فهمها ورقة بن نوفل رضي الله عنه حيث قال: (ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك) ، قال صلى الله عليه وسلم: (أو مخرجي هم؟!) ، قال: (نعم، إنه لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي) [رواه البخاري] .