تقوم ملة إبراهيم على أصلين:
1)إخلاص العبادة لله وحده.
2)التبرؤ من الشرك وأهله وإظهار العداوة لهم.
وقد أمر رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم باتباعه عليه السلام، قال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
ولا ريب أننا مأمورون باتباع هذه الملة ومن رغب عنها منا فقد سفه نفسه.
وقد سار عليها الخليلان ونالا الخلة بذلك كما في صحيح مسلم رحمه الله، حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا) .
فملة إبراهيم هي ملة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وهي ملتنا، وهي أسوة نبينا وأسوتنا، كما قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} .
فظهر مما تقدم أن ملة إبراهيم عليه السلام؛ هي البراءة من الشرك وأهله ومفارقتهم ومقاطعتهم، ولم يتم ظهور دين الإسلام إلا بتطبيق هذا الجانب، وهو مفارقة من في الأرض.
كما في البخاري في كتاب الاعتصام من حديث جابر رضي الله عنه الطويل، وفيه: (ومحمد فرق بين الناس) .
وكما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الرؤية، باب تفسير سورة النساء في البخاري، عندما يأتيهم ربهم تبارك وتعالى يوم القيامة ويقول لهم: (لتتبع كل أمة من كانت تعبد) ، فيقولون: (يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا على أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم) .
ففارقوهم على فقرهم وحاجتهم إليهم ولم يصاحبوهم حتى يستغنوا عنهم، كحال المنتسبين إلى الإسلام اليوم.
وهذا هو الذي فهمه أسعد بن زرارة رضي الله عنه عند البيعة، حيث قال: (رويدا يا أهل يثرب إن إخراجه اليوم مفارقة للعرب كافة، وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف فإما أنتم قوم تبصرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه. فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله) [رواه أحمد والبيهقي، وقال الحافظ بن كثير: وهذا إسناد جيد على شرط مسلم، السيرة ج 2/ 194، وحسن الحافظ في الفتح هذه القصة مع اختلاف يسير في اللفظ] .
فمن أراد القيام بدين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأراد نصره اليوم، فليقدم على ما أقدموا عليه، وإلا فكما قال أسعد في نفس الحديث: (وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله عز وجل) .
فخذها - يا أخي - بيضاء نقية، كما أخذها أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورضى عنهم بشروطها، وقد أُعطوا على ذلك الجنة، وقال فيهم عز وجل: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} .
أما حال من التبس عليهم الأمر - عمدا أو جهلا - فلنسرد لك أعمالهم وأقوالهم ليتجلى لك حالهم:
تقول طائفة منهم؛ إن قيام الدين أساسه محاربة القبوريين وإظهار العداوة لهم والتحذير منهم محاربة الصوفية وأهل البدع.
وطائفة أخرى؛ تقول بقول الطائفة الأولى، وتزيد عليها بالحمل على التعصب المذهبي الأعمى، والدعوة إلى الذب عن الحديث وتصفيته مما أدخل فيه، وذلك جل همهم.
وثالثة؛ فُتنت بالشيوعية والرد عليها، وإثبات وجود الخالق، والسعي الجاد في السيطرة على المراكز الهامة في الحكومات، بقصد السيطرة على الحكم.
وهناك طوائف أخرى لا داعي للخوض فيما هم فيه، لأنها تقوم على الجهل.
فنقول:
أما الطائفة الأولى والثانية ومن شاكلهم؛
فيظهر لنا من حالهم أن ما قاموا به؛ حق لا ينكر، ولكن لما كان هذا القيام منهم في مواجهة من لا سلطة في يده، وأنهم سكتوا عن أصحاب السلطات فيما يقومون به من هدم لدين الله، كان طريقهم الذي سلكوه هو الذي ضل به من كان قبلهم.