الصفحة 14 من 15

من الناس من يستقيم على الدين ما لم يؤذ في ذلك، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} .

وآخر مستقيم في كلا الحالتين؛ في السراء والضراء.

فجزاء الأول؛ ما ذكره الله في صفة من يعبد الله على حرف، قال: {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} .

والثاني؛ ما ذكره جابر في قصة بيعة العقبة: (يأخذ علينا شرطه ويعطينا على ذلك الجنة [متفق عليه] .

واعلم؛ أنه عند الابتلاء يكثر المتقهقرون، فلا تحزن لذلك.

فقد أخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم، فاشترطوا: (أن من جاءنا منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقال الصحابة: أنكتب هذا؟! قال: نعم، إن من ذهب منّا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا) .

فلا تحزن على من أبعده الله.

{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ * إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .

ومما يناسب هذا المقام ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب"الحسنة والسيئة".

قال رحمه الله تعالى في فصل"حب الرياسة والعلو":(فالنفس مشحونة بحب العلو والرياسة بحسب إمكانها، فتجد أحدهم يوالي من يوافقه على هواه، ويعادي من يخالفه في هواه، وإنما معبوده ما يهواه ويريده، قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} .

والناس عنده في هذا الباب كما هم عند ملوك الكفار والمشركين من الترك وغيرهم يقولون:"يا رباعي"، أي صديق وعدو، فمن وافق هواهم كان وليا، وإن كان كافرا مشركا، ومن لم يوافق هواهم كان عدوا، وإن كان من أولياء الله المتقين، وهذه هي حال فرعون.

والواحد من هؤلاء يريد أن يطاع أمره بحسب إمكانه، لكنه لا يتمكن مما تمكن منه فرعون من دعوى الإلهية وجحود الصانع، وهؤلاء - وإن كانوا يقرون بالصانع - لكنهم إذا جاءهم من يدعوهم إلى عبادة الله وطاعته، المتضمنة؛ ترك طاعتهم، فقد يعادونه كما عادى فرعون موسى.

وكثير من الناس ممن عنده بعض عقل وإيمان؛ لا يطلب هذا الحد، بل يطلب لنفسه ما هو عنده، فإن كان مطاعا مسلما؛ طلب أن يطاع في أغراضه، وإن كان فيها ما هو ذنب ومعصية لله، ويكون من أطاعه في هواه؛ أحب إليه وأعز عنده ممن أطاع الله وخالف هواه، وهذه شعبة من حال فرعون وسائر المكذبين للرسل.

وإن كان عالما أو شيخا؛ أحب من يعظمه دون من يعظم نظيره، حتى لو كانا يقرآن كتابا واحدا كالقرآن، أو يعبدان عبادة واحدة متماثلان فيها، كالصلوات الخمس، فإنه يحب من يعظمه بقبول قوله والاقتداء به أكثر من غيره، وربما أبغض نظيره وأتباعه حسدا وبغيا، كما فعلت اليهود لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم يدعو إلى مثل ما دعى إليه موسى، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} ، وقال تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} ، وقال تعالى: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} ) اهـ.

وقد قال الشيخ محمد بن جميل غازي عن الشيخ ابن تيمية: (ليس رجل محافل، تزدهيه عبارات الإعجاب والإطراء ويستهويه أن يتجمع حوله أتباع وأشياع، إنما هو رجل حق، يزول معه حيثما زال، ويميل أينما مال، هو رجل يسير في الطريق المستقيم ولا توحشه قلة السالكين، وينأى عن الطريق المنحرف، ولا يغتر بكثرة الهالكين، هو كما يقول عن نفسه"رجل ملة"، لا"رجل دولة") اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت