بل إنهم ربما دخلوا وخرجوا، كما رأيت سابقا في الآية: {إن الذين ارتدوا} .
وكما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يمسي الرجل مؤمنا ويصبح كافرا) [أخرجه مسلم] .
ولا تنخدع بثناء الناس على هؤلاء، فقد كشفهم لك نبيك فيما رواه البخاري عن حذيفة رضي الله عنه في"كتاب الفتن".
قال: قال صلى الله عليه وسلم: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة) ، وحدثنا عن رفعها قال: (ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوكت [1] ، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى فيها أثرها مثل أثر المجل [2] ، كجمر دحرجته على رجلك فنفط [3] ، فتراه منبترا [4] وليس فيه شيء، ويصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، ويقال للرجل: ما أعقله؟! وما أجلده؟! وما اظرفه؟! وما في قلبه حبة خردل من الإيمان) .
فبان لك من الحديث؛ أن شأن الأمانة عظيم عند الله، والدين أعظم أمانة حملها الإنسان.
وقد قال ابن حجر في"فتح الباري" [ج13/ ص 39] ما نصه: (وهذا إنما يقع على ما هو شاهد لمن خالط أهل الخيانة، فإنه يصير خائنا، لأن القرين يقتدى بقرينه، وانظر كذلك إلى نعوت الرجل في الحديث:"ما أعقله؟! وما أظرفه؟! وما أجلده؟!"، مع أن قلبه خال من الإيمان، وقد شبهه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مظهره بالنفط الذي تراه منبترا وليس فيه شيء) اهـ.
والطائفة الأخيرة؛
تسير خلاف هدي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتنهج طريق تحكيم الأفكار، فمن مبادئهم التخفي تحت أستار شتى، ويحاولون أن يغدروا بمن يعملون تحت سلطته.
وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في صحيح مسلم: (لا غدر في الإسلام) .
ويقول في حديث علي رضي الله عنه في البخاري في غزوة خيبر: (فادعهم للإسلام) .
وكذلك هؤلاء إذا رأوا من يدعو للتوحيد وذم الشرك بأنواعه والبدع بأنواعها وبيان السنة الصحيحة وتصفيتها مما ليس منها؛ تراهم يتهمونه بالقصور في فهم الإسلام، ويوجهون إليه انتقاداتهم، مدعين أن الأمر أكبر من ذلك - وهي الشيوعية -
فنقول لهم:
إن مشركي العرب، وكذلك إبليس؛ مُقِرُّون بالخالق، فهل نفعهم ذلك؟!
ونقول لهم:
إن الطائفة الناجية التي ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من صفاتها؛ أنها ظاهرة على الحق، وليست مختفية مستترة، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان مظهرا لدعوته مجاهرا بدينه ومصرحا بمعاداة الكفار والتبرئ منهم علنا ... وهي ملة إبراهيم عليه السلام، ولذلك أوذي وأصحابه وأخرجوا.
أما أنتم؛ فتقبلون موظفين ودعاة ومدرسين وجنود وخبراء ... الخ، فلو أنكم صرحتم بالعداوة لهم ونهجتم مبدأ البراءة منهم علنا؛ لنابذوكم وأذوكم أشد الإيذاء، ولم يقلدوكم المناصب والمراكز، بل لأخرجوكم وقتلوا خياركم - كما حصل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، فمبدأ دعوتهم كان ذلك -
وجميع الطوائف؛ تتعذر بقلة العدد وانعدام العدة المادية، وبالخوف من تسلط العدو بقواته الضخمة وكثرة عدده وعدته.
فالجواب على العذر الأول، نقول:
هل لكم أن تخبرونا عن عدد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين عذبوا وأوذوا خلال ثلاثة عشر عاما بمكة؟!
ثم هل رخّص لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السكوت والمهادنة والإخلاد إلى الأرض ومشاركة عدوهم في الأعمال، أو حرضهم على نيل المراكز لديهم للغدر بهم، أو خطط لهم مثل تخطيطاتكم العقلية والتي رأينا ولمسنا نتائجها؟!
أما دعوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ فلا يخفى على بصير كيف كانت نتائجها، فلقد كان معه أقل من القليل من الصحابة، وخاف منهم الروم وفارس - عدلاء أمريكا وروسيا في زمانكم هذا -
واسمعوا سؤالات هرقل عظيم الروم لأبي سفيان، واسمعوا استنتاجاته!
في حديث البخاري الطويل [ج1/ص7] قال هرقل: (وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت؛ أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك هل يغدر؟ فذكرت؛ أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر) ، ثم قال هرقل: (إن كان ما تقول حقا؛ فسيملك موضع قدمي هاتين) .
فانظر إلى بصيرة هرقل وعلمه الراسخ بظهور أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن عرف أنه اتبعه الضعفاء، ولم يسأل عن عدته ولا قوته ولا عن حماته.