[الكاتب: محمد خليل هرَّاس]
من عقيدة القرآن والسنة
بين يدي المقال:
في أوائل القرن الثاني من الهجرة ظهر رواد المذاهب المنحرفة في فهم العقيدة الإسلامية التي خالفت أهل السنة والجماعة متأثرة بما نقل إليها من فلسفات اليونان وسائر أهل الكفر فتكون منها منهجان منحرفان:
الأول: مذهب التأويل الذي يقول به المعتزلة حيث يجعلون العقل حاكما على نصوص الشرع فيوجبون تأويل نصوص الشرع لتوافق كما يزعمون العقل. ولست أدري أي عقل يحاكم النص الشرعي؟ والعقول تتفاوت بل ما فائدة الوحي إذا كان العقل هو الحاكم عليه؟.
الثاني: مذهب المشبهة وهم الذين بالغوا في إثبات الصفات حتى شبهوا الخالق سبحانه بالمخلوق.
ثم ظهر مذهب ثالث: تزعمه"عبد الله بن كلاب"، حاول التوفيق بين مذهب المعتزلة ومذهب أهل السنة، وإلى هذا المذهب ينتسب الأشاعرة اليوم ذلك لأن الأشعرى كان في آخر حياته على مذهب أهل السنة والجماعة وله في ذلك كتاب الإبانة ومقالات الإسلاميين.
ونحن ننقل هنا مقالا جيدا للشيخ الجليل محمد خليل هراس رحمه الله حول مذهب أهل السنة والجماعة في الاستواء.
يقول الشيخ:
العلم أن أهل الإثبات بحمد الله عندهم من هذه النقول ما يملأ مجلدات، وهم لا ينقلون إلا عن كل إمام ثقة في علمه ودينه من سلف الأمة، الذين هم أكملها علما وإيمانا، وأبرها قلوبا وأقلها تكلفا وأهداها سبيلا.
وإليك أيها القارئ طائفة من الحجج والبينات التي يعتمد عليها أهل الحق والإثبات في هذا الباب لكي تدرك الفرق بين ما يسوقه المعطلة من شبه واهية ساقطة، وبين ما يستند إليه أهل الحق من أدلة ناصعة قاطعة.
فمن الكتاب العزيز نسوق هذه الآيات البينات التي لا تقبل جدلا ولا تحتمل تأويلا إلا عند من في قلوبهم زيغ، ممن يصرفونها عن معانيها المفهومة منها، إلى مالا تحتمله من المعاني الفاسدة، جريا وراء أهوائهم، فيحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون على الله بغير علم.
1)أخبر الله عز وجل في سبعة مواضع من كتابه، أنه استوى على العرش، ولا معنى لذلك أبدا إلا علوه وارتفاعه عليه، كما فسره بذلك مجاهد وأبو العالية وغيرهما من أئمة التفسير، كما رواه عنهم الإمام البخاري في صحيحه عند رده على الجهمية والمعطلة. بالقصور فإن اللغة التي نزل بها القرآن لم تستعمل قط لفظ الاستواء متعديا بعلى إلا بمعنى العلو والارتفاع ونحن نتحدى أن يأتي أحد بنقل صحيح عمن يعتد بهم في لغة العرب أنه ذكر للاستواء معنى غير ذلك.
وأما تأويله بالاستيلاء على العرش استنادا إلى قول الشاعر المجهول:
قد استوى بشر على العراق بغير سيف أو دم مهراق
فهو من أسمج التأويلات وأشدها فسادا، إذ يقتضي أن العرش كان في حوزة غيره سبحانه، فلما خلق السموات والأرض ملكه واستولى عليه، مع أنه سبحانه لم يزل مستويا على العرش وعلى الملك كله منذ خلقه، وأيضا لو كان الاستواء بمعنى الاستيلاء كما يزعمون لما كان للاستواء معنى خاصا بالعرش، بل لجاز أن يقال استوى على الأرض، كما يقال استوى على العرش. إذ هو مستول عليها كاستيلائه على العرش.
وليس في استيلائه على العرش معنى يمدح به، فإن العرش لا يعدو أن يكون من جملة مخلوقاته، وإنما يظهر المدح في ارتفاعه وعلوه عليه لتدبير أمور خلقه، كما قال من سورة يونس عليه السلام: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر} .
2)سمى الله عز وجل نفسه في كتابه بأنه"العلي"و"الأعلى"و"المتعال"، وإطلاق هذه الأسماء يقتضي ثبوت كمال العلو له سبحانه، بأن يكون العلو ثابتا من كل وجه فيتناول علو ذاته فوق خلقه، وعلو مكانته وقدره وعلو غلبته وقهره. فمن خص علوه ببعض هذه المعاني دون بعض فقد قيد ما أطلق الله، ونقص من معنى العلو الذي هو صفة كمال بغير حجة.