الصفحة 2 من 16

3)أخبر الله عز وجل أن بعض الأشياء تنزل من عنده كقوله في شأن القرآن الكريم قل نزله روح القدس من ربك بالحق وقوله تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين كما أخبر أن بعض الأشياء تصعد إليه، كقولهِ سبحانه: {إليه يصعد الكلم الطيب} ، {تعرج الملائكة والروح إليه} ، {يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} ، {بل رفعه الله إليه} ، فكيف يتحقق أن يكون سبحانه مبدأ لما ينزل أو منتهى لما يصعد، إذا لم يكن عاليا على خلقه؟! وإذا كان لا يليق بأحد منا أن يقول لغيره ائت إلي في مكان كذا، ثم يذهب فلا يجده هناك، أليس ذلك غشا وتضليلا يتنزه عنه أحكم الحاكمين؟!

4)أخبر الله سبحانه أنه في السماء بقوله في سورة الملك: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير} ، فهل هناك أصرح في إثبات علوه تعالى على خلقه، من إخباره عن نفسه بأنه في السماء أي في تلك الجهة؟ وهل يليق بأحد من العقلاء أن يقول أنا في البيت أو في المسجد من غير أن يكون فيه؟ وما الذي يدعوه سبحانه إلى أن يثبت لنفسه ما ليس بثابت، بل ما هو في زعمكم مستحيل الثبوت؟ ومن العجيب أن هاتين الآيتين قد سيقتا في معرض التهديد والوعيد لإحداث الخشية والمهابة، فإذا لم يكن هو سبحانه في السماء كما أخبر، فأى معنى لذلك التهديد وهل يبقى له في النفس أثر؟

5)قال الله تعالى في شأن الملائكة: {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} ، ولا شك أن لفظ الفوق إذا جاء مجرورا بـ"من"لا يفهم منه إلا فوقية المكان، كما في قوله تعالى: إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وكقوله: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ... الآية} ، وإذا لم تكن هذه فوقية مكان فما عسى أن تكون؟ لعلكم تقولون أنها فوقية قهر وقدرة، فما الموجب لصرفها عن حقيقتها؟ وأي مدح في تلك الفوقية مع أن قدرته على الخلق كلهم ليست محل شك.

ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

6)أخبر الله سبحانه عن بعض الأشياء أنها عنده، كقوله عن الملائكة: {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ومن عنده لا يستكبرن عن عبادته ولا يستحسرون} ، وكقوله عن أهل الجنة: {إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند مليك مقتدر * لهم ما يشاءون عند ربهم} ، وكقوله حكاية عن امرأة فرعون: {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} ، فما معنى هذه العندية إذا لم تقتض المجاورة والقرب؟ وإذا كانت كل الأشياء سواء بالنسبة إليه سبحانه، لا تفاوت بينها بالقرب والبعد، كما يزعم هؤلاء المعطلة؛ أن محمدا وهو عند سدرة المنتهى لم يكن أقرب إلى الله من يونس وهو في بطن الحوت، فكيف يصح تخصيص بعض الأشياء بكونها عنده؟

7)قال الله تعالى في شأن فرعون: {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وأني لأظنه كاذبا} ، فمن الذي أخبر فرعون بأن إله موسى في السماء، حتى أمر هامان ببناء الصرح ليصل إليه؟ لا شك أن الذي أخبره بذلك هو موسى عليه السلام نفسه، بدليل قول فرعون بعد ذلك وإني لأظنه كاذبا أي فيما أخبرني به من أن إلَهَهُ في السماء. ولا يعقل أن يكون فرعون فعل ذلك من عند نفسه لأنه نفى أن يكون معه إله غيره، فكيف يفترض وجود إله أعلى منه في السماء؟

8)أخبر الله عز وجل أنه يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، كما في قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة وقضي الأمر} ، وكقوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا} . فمن أين يجيء الرب جل شأنه، هل يجيء من أمامهم أم من خلفهم أم عن أيمانهم أم عن شمائلهم أم من تحتهم؟. وإذا كانت كل هذه الجهات الخمس لا تصلح أن يأتي منها الرب فلم يبق إلا أن يأتيهم من فوقهم سبحانه وتعالى.

ونكتفي بهذا القدر من آيات الكتاب العزيز ففيه لطالب الهدى كفاية ومقنع.

وننتقل إلى السنة المطهرة التي أثبتت ما أثبته الكتاب، ولم يرد فيها أصلا نفي أو تأويل لما ورد فيه من الصفات. وسنجتزئ منها بالصحيح خوفا من التطويل وحتى لا نفتح المجال لقال أو لقيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت