ومعلوم أن أهل الجنة يرون ربهم عيانا، كما في القرآن ومتواتر الأحاديث، يرونه كما يرون الشمس ليس دونها سحاب، يرونه من فوقهم، يتجلى لهم فيرونه، فلايكون شيء من نعيم الجنة أحب إليهم من النظر إليه كما في الصحيح.
فليت شعري كيف يفهم هؤلاء المبتدعة الذين غلظ فهمهم، كيف يفهمون هذه الأحاديث، إذا كانوا لايثبتون علوه سبحانه على خلقه؟!!
وأما قوله تعالى"فأينا تولوا فثم وجه الله"فالمعنى جهة الله تعالى التي أمر أن يستقبلها المصلي في الصلاة، والعرب تقول: أين وجهك، أي أين جهتك، فالوجه والجهة واحد، كمايقال وعد وعدة، ووزن وزنة، فهذه الأية نزلت في شأن القبلة، فليست هي من آيات الصفات أصلا، ثم إن الذين يقولون إن الله في كل مكان لايمكنهم أن يستدلوا بها، لانهم لايقولون إن الأماكن النجسة، والحشوش (المراحيض) ، ونار جهنم، وقبور الكفار، مثلا، داخلة في قوله تعالى"أينما تولوا فثم وجه الله"تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، فلا بد لهم من أن يقروا أنها ليست من آيات الصفات.
وفيما يلي بعض النقول التي تدل على أنه إجماع العلماء قبل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم فليس لهما اختصاص بعقيدة أن الله تعالى عال على خلقه، بل هذه عقيدة المسلمين.
الإمام الأوزاعي [ت 157 هـ] قال: (كنا والتابعون متوافرون نقول: ان الله عز وجل فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته) [انظر: مختصر العلو للذهبي 137 والأسماء والصفات للبيهقي، وفتح الباري 13/ 417] .
ثانيا: الامام قتيبة بن سعيد [150 - 240 هـ] قال: (هذا قول الائمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال جل جلاله: الرحمن على العرش استوى) ، قال الذهبي: (فهذا قتيبة في امامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة، وقد لقي مالكا والليث وحماد بن زيد، والكبار، وعمر دهرا وازدحم الحفاظ على بابه) [انظر: مختصر العلو 187، درء تعارض العقل والنقل 6/ 260، بيان تلبيس الجهمية 2/ 37] .
ثالثا: الامام المحدث زكريا الساجي [ت 307 هـ] قال: (القول في السنة التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث الذين لقيناهم أن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء) انتهى، قال الذهبي: (وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها وعنه اخذ أبو الحسن الاشعري علم الحديث ومقالات أهل السنة) [مختصر العلو 223، اجتماع الجيوش الاسلامية لابن القيم 245] .
رابعا: الامام ابن بطة العكبري شيخ الحنابلة [304 - 387 هـ] قال في كتابه"الإبانة عن شريعة الفرقة والناجية": (باب الإيمان بأن الله على عرشه بائن من خلقه وعلمه محيط بخلقه، أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله تبارك وتعالى على عرشه فوق سمواته بائن من خلقه وعلمه محيط بجميع خلقه، ولا يأبى ذلك ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية وهم قوم زاغت قلوبهم واستهوتهم الشياطين فمرقوا من الدين وقالوا: إن الله ذاته لا يخلو منه مكان) انتهى [انظر الإبانة 3/ 136] ، قال الذهبي: (كان ابن بطة من كبار الأئمة ذا زهد وفقه وسنة واتباع) [مختصر العلو 252] .
خامسا: الإمام أبو عمر الطلمنكي الأندلسي [339 - 429 هـ] قال في كتابه"الوصول إلى معرفة الأصول": (أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله {وهو معكم أينما كنتم} ، ونحو ذلك من القرآن: أنه علمه، وأن الله تعالى فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء) ، وقال: (قال أهل السنة في قوله {الرحمن على العرش استوى} ، إن الاستواء من الله على عرشه على الحقيقة لا على المجاز) انتهى، قال الذهبي: (كان الطلمنكي من كبار الحفاظ وأئمة القراء بالأندلس) [درء التعارض 6/ 250، الفتاوى 5/ 189، بيان تلبيس الجهمية 2/ 38، مختصر العلو 264] .
سادسا: شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني [372 - 449 هـ] قال: (ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سمواته على عرشه كما نطق كتابه وعلماء الأمة واعيان الأئمة من السلف، لم يختلفوا أن الله على عرشه وعرشه فوق سمواته) انتهى، قال الذهبي: (كان شيخ الإسلام الصابوني فقيها محدثا وصوفيا واعظا كان شيخ نيسابور في زمانه له تصانيف حسنة) .