الصفحة 9 من 86

هل السبب هو الشعور بأن كل الطرق مسدودة للعمل في اتجاه القيام بهذه المهمة العظيمة؛ وأن التحديات من الضخامة بحيث يعجز المسلم أمامها عن القيام بأي عمل إيجابي في هذا الاتجاه؟!

هل السبب هو الانهزام النفسي أمام انتفاش الباطل، والإحساس بعدم تكافؤ القوى الظاهرة، وبأن مقاومة الطغيان على دين الله وشرعه وعلى أنفس المؤمنين ودمائهم وأموالهم وأعراضهم، ما هو إلا تهور وطيش وأن الحكمة تقتضي القبول بالأمر الواقع والتطبيع مع هذا الطغيان والبغي والاستعلاء، كي يسلم للمؤمنين عيشهم وحياتهم الدنيا في الحدود التي يسمح بها الطاغوت؟!

هل السبب هو الظن أو الوهم بأن المسلم يستطيع أن ينجو بإيمانه ودينه في ظل غياب جماعة مؤمنة تقيم دين الله في الأرض؛ وأنه طالما أن هذه الجماعة المؤمنة القائمة على المنهج الحق قلة مستضعفة ليست ظاهرة؛ فإن كل الأوامر والتكاليف التي خاطب الله بها هذه الجماعة، لا تنطبق عليه وليس مسئولًا عنها، وأنه في مأمن بقيامه فقط بالواجبات الفردية كالصلاة والصيام والذكر والدعاء.

هل السبب هو واحد من هذه الأسباب؛ أم كلها؛ أم غيرها .. ؟!

إن المرء ليعجب من أحوال المسلمين الذين تخلى كثير منهم عن عهدهم مع ربهم ونقضوا ميثاقهم على نصرة رسوله وإقامة دينه {لتؤمنن به ولتنصرنه} في الوقت الذي نرى فيه كثيرًا من أهل الباطل - ولو كانوا قلة مستضعفة - يقاومون ويقاتلون دون معتقداتهم الباطلة؛ ويدفعون ثمن هذه المقاومة من دمائهم وأموالهم وممتلكاتهم وتشريد عائلاتهم.

يقول الله سبحانه: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} .

فالموت حتم في موعده المقدر. ولا علاقة له بالحرب والسلم. ولا علاقة له بحصانة المكان الذي يحتمي به الفرد أو قلة حصانته. ولا يؤخره أن يؤخر عنهم تكليف القتال إذًا، ولا هذا التكليف والتعرض للناس في الجهاد يعجله عن موعده ..

هذا أمر وذاك أمر، لا علاقة بينهما .. إنما العلاقة هناك بين الموت والأجل .. بين الموعد الذي قدره الله وحلول ذلك الموعد .. وليست هناك علاقة أخرى .. ولا معنى إذن لخشية الناس في قتال أو في غير قتال! وبهذه اللمسة يعالج المنهج القرآني كل ما يهجس في الخاطر عن هذا الأمر، وكل ما ينشئه التصور المضطرب من خوف ومن ذعر ..

إنه ليس معنى هذا ألا يأخذ الإنسان حذره وحيطته، وكل ما يدخل في طوقه من استعداد وأهبة ووقاية. فالله يأمر بأخذ الحذر، كما أمر الله كذلك بالاحتياط في صلاة الخوف، كما أمر - سبحانه - باستكمال العدة والأهبة. ولكن هذا كله شيء، وتعليق الموت والأجل به شيء آخر .. إن أخذ الحذر واستكمال العدة أمر يجب أن يُطاع، وله حكمته الظاهرة والخفية، ووراءه تدبير الله .. وإن التصور الصحيح لحقيقة العلاقة بين الموت والأجل المضروب - رغم كل استعداد واحتياط - أمر آخر يجب أن يُطاع، وله حكمته الظاهرة والخفية، ووراء تدبير الله. توازن واعتدال. وإلمام بجميع الأطراف. وتناسق بين جميع الأطراف، هذا هو الإسلام. وهذا هو منهج التربية الإسلامي، للأفراد والجماعات.

{أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} .

إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف؛ وأمانة ذات أعباء؛ وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال. فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا. وهم لا يتركون لهذه الدعوى، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم. كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به - وهذا هو أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه - وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب. هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت، وسنة جارية، في ميزان الله سبحانه:

{ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} .

والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء؛ ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله، مغيب عن علم البشر؛ فيحاسب الناس إذن على ما يقع من عملهم لا على مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم. وهو فضل من الله من جانب، وعدل من جانب، وتربية للناس من جانب، فلا يأخذوا أحدًا إلا بما استعلن من أمره، وبما حققه فعله. فليسوا بأعلم من الله بحقيقة قلبه!.

ونعود إلى سنة الله في ابتلاء الذين يؤمنون وتعريضهم للفتنة حتى يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت