لكي يدخل المرء في دين الله فعليه أن يوحد الله - عز وجل - بعبادته وحده سبحانه وتعالى لا شريك له؛ ولا يتم ذلك إلا بتحقيق نوعين من التوحيد:
1 -التوحيد النظري أو العلمي أو الخبري. بأن يعلم الحق - من التوحيد والنبوة والبعث - على ما هو عليه، فيصدق به تصديقًا جازمًا لا شك فيه.
2 -التوحيد العملي أو الإرادي أو الطلبي. بأن يخضع لهذا الحق بقلبه عملًا وبلسانه قولًا، وبجوارحه فعلًا؛ فينخلع من الشرك الأكبر بجميع صوره الظاهرة والباطنة، ويجرد ولاءه لله وحزبه؛ ويرد أمره كله لله فلا يتلقى إلا منه ولا يتوجه إلا إليه.
هذه هي الصورة الوحيدة المقبولة لتحقيق التوحيد عند أهل السنة والجماعة.
الولاء والبراء إذن من لوازم"لا إله إلا الله"؛ بل هي تحقيق معناها كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -"إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله"أ هـ [1] .
ويقول شيخ الإسلام:"فإتباع سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإتباع شريعته باطنًا وظاهرًا هو موجب محبة الله؛ كما أن الجهاد في سبيل الله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه- هو حقيقتها"أ هـ [2] .
ويقول الحسن البصري - رحمه الله: (زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ} [آل عمران: 31] أ هـ [3] .
ويقول الشيخ حمد بن عتيق عن حكم الولاء والبراء: (ليس في كتاب الله تعالى حكم، فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم؛ بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده) أ هـ [4] .
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله: (إنه لا يستقيم للإنسان إسلام - ولو وحد الله وترك الشرك - إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض. كما قال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] أ هـ [5] .
وقال الحسن: (لا تغتر بقولك: المرء مع من أحب. إن من أحب قومًا اتبع آثارهم، ولن تلحق الأبرار حتى تتبع آثارهم، وتأخذ بهديهم، وتقتدي بسنتهم، وتمسي وتصبح وأنت على منهاجهم، حريصًا أن تكون منهم، وتسلك سبيلهم، وتأخذ طريقهم، وإن كنت مقصرًا في العمل. فإن ملاك الأمر أن تكون على استقامة. أما رأيت اليهود والنصارى وأهل الأهواء الردية يحبون أنبياءهم وليسوا معهم؛ لأنهم خالفوهم في القول والعمل، وسلكوا غير طريقتهم؛ فصار موردهم النار) أ هـ [6] .
(1) الاحتجاج بالقدر ص 62. فالولاء هنا أن ينصر دين الله، وينصر أولياءه، في أي مكان حلوا؛ والبراء هو بغض أعداء الله، ومجاهدة الكافرين، ولو كانوا أقرب قريب.
(2) التحفة العراقية ص 76.
(3) تفسير ابن كثير ج2 ص25.
(4) النجاة والفكاك ص14.
(5) مجموعة التوحيد ص 19.
(6) الحكم الجديرة بالإذاعة لابن رجب ص 133.