يقول ابن تيمية عن الإيمان"ولابد فيه من شيئين:"
-تصديق بالقلب، وإقراره، ومعرفته؛ ويقال لهذا قول القلب ...
-ولابد فيه من عمل القلب"أ هـ [1] ."
ويشرح محمد بن نصر المروزي معنى الإيمان بالله فيقول:"الإيمان أن تؤمن بالله: فأن توحده وتصدق به بالقلب واللسان."
-وتخضع له ولأمره بإعطاء العزم للأداء لما أمر، مجانبًا للاستنكاف والاستكبار والمعاندة أ هـ" [2] ."
وكذلك الإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يتحقق إلا باجتماع العنصرين في حقه - صلى الله عليه وسلم: تصديقه، والانقياد له. فمن لم يصدقه كان كافرًا، ومن صدقه ولم ينقد له كان كافرًا.
وبالمقابل فمن قدم الانقياد والاستسلام لغير الله ورسوله كان كافرًا، بغض النظر عن وجود أو عدم وجود تصديقه لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
يقول ابن القيم:(ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة وأنه صادق، فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام - علم أن الإسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل:
-المعرفة.
-والإقرار.
-والانقياد.
-والتزام طاعته ودينه ظاهرًا وباطنًا) أ هـ [3] .
ونفس هذه القاعدة تطرد في موضوع الموالاة كما ذكرنا؛ فموالاة الله وحزبه لا تتحقق إلا بتحقيق عنصريها: المحبة والنصرة. وأما موالاة الشيطان وحزبه فيكفي فيها مجرد تحقق أحد العنصرين فقط ولو كان منفردًا: إما المحبة وإما النصرة. وسيأتي بيان ذلك تفصيلًا.
إن المرء قد يدخل في دين الله ويجرد ولاءه لله وحزبه. ولكنه قد يضعف بعد ذلك في بعض المواقف، رغبة أو رهبة لغير الله - عز وجل - فيفقد من ولاية الله وحزبه بقدر ما فرط في ذلك.
وقد يمر بموقف يفتن فيه؛ فينخلع ولاؤه بالكامل من حزب الله، فيدخل في موالاة حزب الشيطان. بل وقد يبقى مع هذا الشخص قدر من الموالاة لحزب الله، ولكن هذا القدر من الضعف بحيث لا يخرج به من موالاة الشيطان وحزبه؛ فلا ينفعه ذلك، ولا ينجيه من الكفر.
يقول ابن تيمية:(لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة، أسلم عامة أهلها، فلما جاءت المحنة والابتلاء نافق من نافق، فلو مات هؤلاء قبل الامتحان لماتوا على الإسلام، ودخلوا الجنة ...
فتبين أن من المنافقين من كان آمن ثم كفر باطنًا. وهذا مما استفاض به النقل عند أهل العلم بالحديث والتفسير والسير، أنه كان رجال آمنوا ثم نافقوا وكان يجري ذلك لأسباب: منها أمر القبلة لما تحولت، ارتد عن الإيمان لأجل ذلك طائفة، وكانت محنة امتحن الله بها الناس ...
وكذلك أيضًا لما انهزم المسلمون يوم أحد، وشج وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - وكسرت رباعيته، ارتدت طائفة نافقوا .. قيل كانوا نحو ثلاثمائة. وهؤلاء لم يكونوا قبل ذلك كلهم منافقين في الباطن .. فلما انخذل ابن أبي يوم أحد، وقال: يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان، أو كما قال انخذل معه خلق كثير، منهم من لم ينافق قبل ذلك.
وفي الجملة: ففي الأخبار عمن نافق بعد إيمانه ما يطول ذكره هنا. فأولئك كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان، وهو الضوء [4] الذي ضرب الله به المثل. فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق ماتوا على هذا الإسلام الذي يثابون عليه ...
وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا، وأكثرهم إذا ابتلوا بالمحن التي يتضعضع فيها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيرًا؛ وينافق أكثرهم أو كثير منهم ومنهم من يظهر الردة إذا كان العدو غالبًا. وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة. وإذا كانت العافية، أو كان المسلمون ظاهرين على عدوهم، كانوا مسلمين. وهم مؤمنون بالرسول باطنًا وظاهرًا، لكن إيمانًا لا يثبت على المحنة ولهذا يكثر في هؤلاء ترك الفرائض وانتهاك المحارم)أ هـ [5] .
(1) الإيمان ص 176.
(2) الإيمان ص296.
(3) زاد المعاد ج3 ص42.
(4) أي قوله تعالى {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} [البقرة: 20] .
(5) الإيمان ص 258 - 271.