الصفحة 38 من 86

إذا أعملنا هذه القواعد السابقة على قضية الموالاة للكافرين - حزب الشيطان - نجد أن هناك صورة من الموالاة تصل بصاحبها إلى درجة"التولي"للكافرين، مما يخرج بصاحبها عن الملة الإسلامية، ويسقطه في الكفر والردة - والعياذ بالله - مهما ظن هو أو زعم غير ذلك. وهذه الصورة لا خلاف عليها بين علماء أهل السنة والجماعة.

وأما دون هذه الصورة من صور ومظاهر الموالاة للكافرين، فقد اختلف عليها علماء أهل السنة، فذهب بعضهم إلى أن بعض هذه الصور أو المناطات تكفي بمجردها لكفر صاحبها إذا فعلها اختيارًا ودون إكراه ملجئ؛ وذهب الآخرون إلى أنها معاص عظيمة وصاحبها على شفا هلكة؛ إلا إنها عندهم لا تكفي بمجردها لكفر صاحبها وخروجه عن الملة إلا أن يصاحبها المودة القلبية للكافرين.

تولي الكافرين قد يكون بالقلب أو بالفعل أو بكليهما:

أما"التولي"للكافرين والذي يخرج فاعله عن الملة الإسلامية، ويلحق بحزب الشيطان - فيكون إما بالقلب، وإما بالفعل؛ وإما بكليهما. وكل من هذه الأنواع بمفرده كفر أكبر مخرج من الملة.

أما التولي بالقلب: فأن يحبهم، ويوادهم ويرضى عنهم، ويوافقهم بقلبه ويميل إليهم بباطنه [1] ؛ حتى إذا خالف الكافرين بظاهره و عمل بالإسلام ظاهرًا.

"فالمحبة والرضا أمران جازمان، لا يخرجان عن كونهما كفرًا إذا كانا للكفار، أو إيمانًا إذا كانا للمؤمنين" [2] .

وتفصيل ذلك هو ما قرره علماء أهل السنة من أن من نواقض الإسلام (الرضا بكفر الكافرين، وعدم تكفيرهم، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الكافرة) [3] .

يقول ابن تيمية:(وهذا كقوله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة: 22] .

فأخبر أنك لا تجد مؤمنًا يواد المحادين لله ورسوله. فإن نفس الإيمان ينافي موادته، كما ينفي أحد الضدين الآخر؛ فإذا وجد الإيمان انتفى ضده، وهو موالاة أعداء الله) أهـ [4] .

ويقول ابن تيمية: (ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ(80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 80، 81] .

فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط، بحرف"لو"التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط. فقال: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ} ؛ فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده؛ ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب) أ هـ [5] .

ثم يأتي شيخ الإسلام من الآيات القرآنية نفسها ما يؤكد أن صورة الموالاة هنا هي كفر أكبر مخرج من الملة؛ فيقول: (ومثله قوله تعالى: {لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] . فإنه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا يكون مؤمنًا؛ وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم؛ فالقرآن يصدق بعضه بعضًا) أ هـ [6] .

(1) (( ) يلازم ذلك حتمًا غض الطرف عن كفرهم بالله، ونبيه، ودينه، وكتابه وعدم كراهيتهم، وبغضهم، ومقتهم بسبب كفرهم هذا.

(2) الولاء والبراء ص233.

(3) مجموعة التوحيد ص129.

(4) مجموع الفتاوى ج7 ص17.

(5) مجموع الفتاوى ج7 ص17.

(6) مجموع الفتاوى ج7 ص17، 18. وقد ساق شيخ الإسلام الآيات الأولى لبيان حكم الموالاة القلبية والتي يعبر عنها القرآن عادة بالمودة. وساق الآيات الثانية لبيان حكم الموالاة الظاهرة في مناطها الغائي وهو التولي. ثم ساق الآيات الأخيرة لبيان أن حكم الاثنين سواء، وهو الكفر الأكبر المخرج من الملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت