الصفحة 15 من 86

تدور مادة الموالاة في معاجم اللغة حول معنيين أساسيين:

فالمعنى الأول: معنى باطن يتعلق بالقلب، وهو المحبة، والمودة، والهوى والميل القلبي.

والمعنى الآخر: معنى ظاهر يتعلق بالجوارح، وهو الدنو، والقرب والنصرة، والمظاهرة، والمتابعة.

ولأن المعنيين غالبًا ما يتحققان معًا، فقد ربطت بينهما بعض المعاجم في مواضع باعتبار أن أحدهما أصل أو باعث للآخر، أو نتيجة ولازم له. بينما فرقت بينهما بعض المعاجم الأخرى على اعتبار أن اللفظ قد ينصرف إلى أحد المعنيين دون الآخر. فالموالاة هي المحبة [1] . وكل من أحببته وأعطيته فقد واليته، أي أدنيته إلى نفسك [2] . والموالاة ضد المعاداة، والولاء المتابعة [3] ووالى فلان فلانًا إذا أحبه وقربه وأدناه إليه [4] .

والموالاة أن يتشاجر اثنان، فيدخل بينهما ثالث للصلح، ويكون له في أحدهما هوى، فيواليه أو يحابيه على الآخر [5] . والموالاة مشتقة من الولاء، وهو الدنو والقرب، والولاية ضد العداوة، والولي عكس العدو [6] .

والولاء أو الولاية: القرابة، أو النصرة، أو المحبة [7] .

والولي: النصير، أو المحب، أو الصديق، أو المطيع. والجمع أولياء [8] .

والولاية: النصرة. يقال: هم على ولاية، أي مجتمعون في النصرة [9] .

وأما التولي، فهو أخص من الموالاة. فالتولي مصدر (ولي) أي انصرف ذاهبًا [10] . والتولي هو تقديم كامل المحبة والنصرة للمتولىَّ [11] بحيث يكون المتوليِّ مع المتولىَّ كالظل مع الجسم [12] .

فالموالاة أعم من التولي؛ لأن التولي في اللغة حالة خاصة من الموالاة، ودرجة تعني الاتخاذ، والإتباع المطلق، والانقطاع الكامل في نصرة المتبع وتقريبه وتأييده.

فالتولي إذن أخص من الموالاة، فكل تولٍ داخل في مفهوم الموالاة وليس كل موالاة داخلة في مفهوم التولي [13] .

وسئل- أي الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف- عن الفرق بين الموالاة والتولي، فأجاب التولي كفر يخرج من الملة وهو كالذب عنهم وإعانتهم بالمال والبدن والرأي، والمولاة كبيرة من كبائر الذنوب كبَلِّ الدواة وبري القلم والتبشش لهم أو رفع السوط لهم [14] .

ويقسم الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن موالاة الكافرين إلى قسمين:

(1) القاموس ج4 ص 401.

(2) تاج العروس ج10 ص401

(3) الصحاح ج6 ص 2530.

(4) لسان العرب ج3 ص 986.

(5) لسان العرب ج3 ص986.

(6) الإيمان لنعيم ياسين ص187/ 188.

(7) المعجم الوجيز ص682.

(8) المعجم الوجيز ص682.

(9) لسان العرب ج3 ص985.

(10) محيط المحيط للبستاني ج2 ص2287.

(11) لعل بعض هذه التعريفات اللغوية المعممة في معاجم اللغة قد أدت إلى اضطراب في فهم المعنى المنضبط للموالاة والتولي في المصطلح الشرعي، تمامًا كما أدى التمسك الظاهري بمعنى الإيمان في معاجم اللغة على أنه مجرد التصديق إلى مشكلات عميقة في فهم حقيقة الإيمان في الشرع لدى طوائف وفرق إسلامية كثيرة. وسيأتي استقراء معنى الموالاة والتولي في النصوص الشرعية وكلام علماء أهل السنة والجماعة، حيث إن هذا هو الطريق الوحيد للتعرف على المعاني الشرعية المرادة في ألفاظ النصوص.

(12) المعجم الوسيط ج2 ص 1070.

(13) هذا ما قال به جمهور العلماء. ويرى الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن التولي مرادف لمعنى الموالاة سواء بسواء؛ ولذلك فهو يستعملهما على أنهما لفظان مترادفان، فيقول عن التولي عند تفسيره لقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 9] "إن الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليًا تامًا، كان ذلك كفرًا مخرجًا عن الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ، وما هو دونه"أ هـ (راجع تفسير بن سعدي ج7 ص357) وانظر الموالاة والمعاداة ص 37 - 38.

(14) الدرر السنة ج7 ص201.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت