الصفحة 20 من 86

موالاة الله وحزبه لا تتحقق إلا بعنصرين مجتمعين:

لكي تتحقق موالاة الله وحزبه يجب أن يجتمع في المرء عنصرا المحبة والمناصرة. محبة الله ومحبة المؤمنين ومحبة دين الله، مع نصرة دين الله، والتناصر مع المؤمنين، والتحالف معهم حول دين الله يدافعون عنه وعن حرماته، وأقل المطلوب أن ينكر الكفر بقلبه ويبغضه ويبغض أهله، وأن يتمنى نصرة الحق وأهله، ويعقد العزم على نصرة دين الله بقوله وعمله متى أمكنه الله من ذلك، وأن لا يشايع أهل الكفر بقول أو عمل في حربهم ضد أهل الإيمان بسبب دينهم.

فمن زعم محبة الله ودينه وأتباعه؛ ثم لم ينصره أو يدخل في حزبه؛ بل دخل اختيارًا بلا إكراه في حزب أعداء الله- أيًا كانت دوافعه- فلا يمكن أن يطلق عليه مواليًا لله وحزبه؛ مهما زعم هو محبة الله ومحبة دينه وأوليائه، بل هو قطعًا خارج عن حزب الله وداخل في حزب الشيطان [1] .

تمامًا كمن دخل في حزب الله - ظاهرًا - ووقف في صف المؤمنين مدافعًا معهم عن دين الله؛ وهو في باطنه لا يحب هذا الدين ولا أهله؛ بل حمله على هذا الموقف دوافع أخرى - مثل جلب مصلحة أو درء مفسدة - فلا شك أن هذا المرء لا يمكن أن يعتبر مواليًا لله وحزبه. ونحن عندما نتحدث عن حقائق الأشياء نقرر بلا خلاف أن هذا الإنسان منافق وأنه من حزب الشيطان.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ .. } إلى قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1] .

فأخبر تعالى أن من تولى أعداء الله - وإن كانوا أقرباء - فقد ضل سواء السبيل، أي أخطأ الطريق القويم، والمنهج المستقيم. فإن من يدعي محبة الله ومحبة رسوله، ومحبة المؤمنين؛ ثم يتخذ أعداء الله أصدقاء وحلفاء وأنصارًا ويلقي إليهم بالمودة - لكاذب فيما يدعيه من حب الله ورسوله والمؤمنين.

وفعله هذا تكذيب عملي لله، ومن كذب على الله فهو كافر في مثل هذه الصورة [2] .

وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 31 - 32] .

"إن حب الله ليس دعوى باللسان، ولا هيامًا بالوجدان؛ إلا أن يصاحبه الإتباع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والسير على هداه، وتحقيق منهجه في الحياة وإن الإيمان ليس همهمات تقال، ولا مشاعر تجيش، ولا شعائر تقام فحسب، ولكنه طاعة لله والرسول، وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول - صلى الله عليه وسلم -" [3] .

روى الإمام أحمد، عن جرير بن عبد الله البجلي، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بايعه على أن"تنصح لكل مسلم، وتبرأ من الكافر" [مسند أحمد ج4: 357] ، وروى ابن أبي شيبة بسنده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله" [الإيمان: 45] .

وروى الطبراني في الكبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله" [صحيح الجامع الصغير ج2: 343] .

وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر المروزي، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:"من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله وعادى في الله؛ فإنما تنال ولاية الله بذلك. ولن يجد عبد طعم الإيمان - وإن كثرت صلاته وصومه - حتى يكون كذلك. وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا" [جامع العلوم والحكم: 30] .

(1) لا يتصور شرعًا وعقلًا أن يعطل المرء ولاءه سواء عن حزب الله أو حزب الشيطان فالإنسان بطبعه مريد وفاعل - همام وحارث - فمن لم تكن إرادته أو فعله لله كانتا لغيره من الطواغيت، حتى لو كان طاغوت الهوى والمصالح والشهوات الشخصية.

(2) مجموعة التوحيد ص 264.

(3) راجع الظلال ج1 ص387.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت