يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في شرح قول ابن عباس هذا:"قوله:"ووالى في الله"هذا بيان للازم المحبة في الله، وهو الموالاة فيه؛ إشارة إلى أنه لا يكفي في ذلك مجرد الحب، بل لابد مع ذلك من الموالاة التي هي لازم الحب؛ وهي النصرة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين باطنًا وظاهرًا."
وقوله:"وعادى في الله"هذا بيان للازم البغض في الله، وهو المعاداة فيه. أي إظهار العداوة بالفعل؛ كالجهاد لأعداء الله، والبراءة منهم، والبعد عنهم باطنًا وظاهرًا؛ إشارة إلى أنه لا يكفي مجرد بغض القلب، بل لابد مع ذلك من الإتيان بلازمه، كما قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4] أ هـ [1] .
موالاة الشيطان وحزبه تتحقق بأحد العنصرين منفردًا
ولكن هل لكي تتحقق موالاة الشيطان وحزبه يجب أن يتحقق نفس الشرطين السابقين اللازمين لتحقيق موالاة حزب الله؟ أعني محبة الشيطان وحزبه مع النصرة والتحيز والتحالف مع هذا الحزب؟
المقرر - شرعًا وعقلًا - وكما ذكرنا أن تخلف أحد الشرطين - المحبة أو النصرة - وتعطيله عن حزب الله، ومن ثم منحه للحزب المقابل - حزب الشيطان يجعل صاحبه مواليًا للشيطان وحزبه وحتى لو تبقى عنده قدر من موالاة حزب الله أو محبته فإن هذا القدر لا ينجيه [2] .
إذن موالاة الشيطان وحزبه يكفي فيها تحقق أحد الشرطين فقط: إما إعطاؤه المحبة؛ وإما إعطاؤه النصرة، عكس موالاة الله وحزبه؛ إذ لا يكفي فيها تحقق أحدهما فقط؛ بل لابد من اجتماعهما.
وهذه حقيقة شرعية مستقرة لا تقبل المجادلة؛ فعبادة الله وحده تستلزم كمال المحبة وكمال الخضوع - كما يعرفها بعض العلماء - فمن عطل أحدهما وقدمه لغير الله لم يكن عابدًا لله. وبالمقابل من قدم أحدهما فقط - دون الآخر - لغير الله، كان عابدًا لهذا الغير من دون الله، ولا ينفعه تقديم الآخر لله، مهما كان إخلاصه فيه.
ولقد سمى الله - عز وجل - الخضوع للشيطان بالطاعة، سماه عبادة له؛ فقال سبحانه وتعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [يس: 60 - 61] .
يقول القرطبي: (أي لا تطيعوه في معصيتي) أ هـ [3] .
ودلالة حديث عدي بن حاتم على هذا المعنى في منتهى الوضوح؛ فإعطاء أهل الكتاب جانب الخضوع والطاعة والإتباع للأحبار والرهبان سماه الشرع عبادة؛ بغض النظر عن عدم محبتهم لهم أو رضاهم عنهم؛ بل والتندر غالبًا بفضائحهم الأخلاقية وسلوكياتهم المشينة.
وخلاصة القصة أن عدي بن حاتم - وكان قد تنصر في الجاهلية - قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راغبًا في الإسلام؛ فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وفي عنق عدي صليب من فضلة, والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] . فقال عدي: إنهم لم يعبدوهم. فقال - صلى الله عليه وسلم: بلى! إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم: فذلك عبادتهم إياهم. (رواه أحمد والترمذي وابن جرير وغيرهم) .
وكذلك حقيقة الإيمان؛ لا تتم إلا بتحقيق عنصرين: عنصر المعرفة والعلم والتصديق، وعنصر الانقياد والخضوع والاستسلام. فمن حقق أحدهما فقط لم يكن مؤمنًا بالله حتى يحقق العنصرين مجتمعين.
(1) تيسير العزيز الحميد ص 422.
(2) لأن هذا شرك في العبادة، والله - عز وجل - لا يقبل إلا ما كان توحيدًا خالصًا لوجهه الكريم. يقول سبحانه وتعالى عن علاقة المشركين بمعبوداتهم: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165] فأثبت لهم أنهم يحبون الله - بقدر ما - لكن هذا القدر لا ينفعهم.
(3) تفسير القرطبي ج15 ص32. ويقول ابن كثير في تفسيره للآية"هذا تقريع من الله تعالى للكفرة من بني آدم، والذين أطاعوا الشيطان وهو عدو لهم مبين"أ هـ. مختصر ابن كثير ج3 ص167.