الصفحة 24 من 86

ويقول الإمام ابن القيم - رحمه الله: (لا تصح الموالاة إلا بالمعاداة، كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين، إنه قال لقومه: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ(75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75 - 77] فلم تصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة. فإنه لا ولاء إلا لله، ولا ولاء إلا بالبراءة من كل معبود سواه. قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 26 - 28] أي جعل هذه الموالاة لله، والبراءة لله، والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض؛ وهي كلمة لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة) أ هـ [1] .

ويقول الإمام الطبري: (قد كانت لكم يا أمة محمد أسوة حسنة في فعل إبراهيم والذين معه في هذه الأمور من مباينة الكفار، ومعاداتهم، وترك موالاتهم إلا في قول إبراهيم {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة: 4] ؛ فإنه لا أسوة لكم فيه في ذلك؛ لأن ذلك كان من إبراهيم عن موعدة وعدها إياه، قبل أن يتبين له أنه عدو لله؛ فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. فتبرأوا من أعداء الله، ولا تتخذوا منهم أولياء حتى يؤمنوا بالله وحده ويتبرأوا من عبادة ما سواه؛ وأظهروا لهم العداوة والبغضاء) أ هـ [2] .

والله - سبحانه وتعالى - يقول: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .

(فهذه الآية تدل على أن الإنسان إذا عبد ربه بطاعته ومحبته ومحبة ما يحبه، ولم يبغض المشركين ويبغض أفعالهم ويعاديهم؛ فهو لم يجتنب الطاغوت ومن لم يجتنب الطاغوت لم يدخل في الإسلام؛ فهو كافر، ولو كان من أعبد هذه الأمة، يقوم الليل ويصوم النهار؛ وتصبح عبادته كمن صلى ولم يغتسل من الجنابة؛ أو كمن يصوم في شدة الحر وهو يفعل الفاحشة في نهار رمضان) [3] .

وقال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 55 - 56] .

قال ابن سعدي:(إن الله - عز وجل - نهى عن ولاية الكفار، من اليهود والنصارى- وغيرهم من باب أولى - وذكر أن مآل توليهم هو الخسران المبين في الدنيا والآخرة. وأخبر تعالى عن الذين يجب ويتعين علينا توليهم دون غيرهم فقال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} فكل من كان مؤمنًا تقيًا كان لله وليًا، ومن كان لله وليًا فهو ولي لرسوله والمؤمنين.

ومن تول الله ورسوله، كان تمام ذلك تولى من تولاه الله ورسوله، وهم المؤمنون الذين قاموا بالإيمان ظاهرًا وباطنًا، وأخلصوا للمعبود بإقامتهم لواجبات الإسلام.

وقد أفادت أداة الحصر في قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} أنه يجب قصر الولاية على من ذكرهم الله تعالى في الآية، والتبري من ولاية غيرهم) أ هـ [4] .

وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] .

يقول سيد قطب - رحمه الله: (إن القرآن الكريم يأمر المسلم ويرشده إلى وجوب إخلاص ولائه لربه، ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولعقيدة الإسلام، وجماعة المسلمين؛ وعلى ضرورة المفاصلة الكاملة بين الصف الإسلامي الذي يقف فيه المؤمن، وبين كل صف لا يرفع راية الإسلام، ولا يتبع قيادة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا ينضم إلى حزب الله.

(1) الجواب الكافي ص 213.

(2) تفسير الطبري ج28 ص 62.

(3) الدرر السنة ج1 ص93.

(4) تفسير السعدي ج2 ص310 - 311.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت