قال شيخ الإسلام: (وما من أحد له أدنى نظر في الفقه إلا وقد بلغه من ذلك طائفة، وهذا بعد التأمل والنظر يورث علمًا ضروريًا باتفاق الأئمة على النهي عن موافقة الأعاجم والأمر بمخالفتهم) .
فمن ذلك على سبيل المثال - وليس المراد أعيان المسائل وإنما إثبات قاعدة المخالفة للمشركين:
1)عند الأحناف:
تكلم كثير من أصحاب أبي حنيفة في تكفير من تشبه بالكفار في لباسهم وأعيادهم.
الأصل المستقر في مذهب أبي حنيفة أن تأخير الصلوات أفضل من تعجيلها عمومًا إلا صلاة المغرب، فيستحب تعجيلها لأن تأخيرها مكروه لما فيه من التشبه باليهود.
قالوا يكره السجود في الطاق لأنه يشبه صنيع أهل الكتاب.
قالوا إن صام يوم الشك ينوي أنه من رمضان كره، لأنه تشبه بأهل الكتاب الذين زادوا في صومهم.
أباح الإمام أبو حنيفة افتراش الحرير، وتعليقه، والستر به، فاحتج عليه أبو يوسف ومحمد بأن ذلك من زي الأكاسرة، والتشبه بهم حرام.
2)عند المالكية:
قال بعض أصحاب مالك من ذبح بطيخة في أعيادهم فكأنما ذبح خنزيرًا.
قالوا يكره ترك العمل يوم الجمعة لما فيه من التشبه باليهود الذين يتركون العمل يوم السبت.
روى ابن القاسم في المدونة عن الإمام مالك أنه قال: (لا يُحرم بالأعجمية ولا يدعو بها ولا يحلف) .
قال الإمام مالك: (قيام المرأة لزوجها حتى يجلس من فعل الجبابرة) .
3)عند الشافعية:
تكلم الشافعية عن شروط أهل الذمة، وفيها منعهم من التشبه بالمسلمين، ومنع المسلمين من التشبه بهم في لباسهم وغيرها تفريقًا بين علامة المسلمين وعلامة الكفار.
وبالغ طائفة من الشافعية فنهوا عن التشبه بأهل البدع مما كان شعارًا لهم، وإن كان في الأصل مسنونًا، فعلى الرغم من أن مذهب الشافعي أن الأفضل تسطيح القبور، وغيره من الأئمة مذهبهم أن الأفضل تسنيمها، فاستحب طائفة من الشافعية تسنيم القبور لأن تسطيحها صار شعار الرافضة.
وقالت طائفة أخرى: بل نحن نسطحها فإذا سطحناها لم يكن التسطح شعارًا لهم، فاتفقت الطائفتان على ذم التشبه بأهل البدع وإنما تنازعوا في عين المسألة هل هي تشبه بهم أم لا؟
4)عند الحنابلة:
أما الحنابلة فكلامهم في ذلك كثير جدًا أكثر من أن يحصر.
كره الإمام أحمد حلق القفا لأنه من فعل المجوس، وكره شد الحبل على القميص لأنه من فعل اليهود، وكره تسمية الشهور بالأعجمية والأشخاص بالفارسية، وكره النعال السندية لأنها ليست من زي المسلمين، وكره أن لا تكون العمامة تحت الحنك، وقال إنما يعتم بمثل ذلك اليهود والنصارى، ودعي الإمام أحمد إلى وليمة فلما دخل رأى في الدار كرسيًا عليه فضة فخرج، ونفض يده في وجه صاحب الدار، وقال زي المجوس، زي المجوس، وسائر الحنابلة في ذلك على هدي إمامهم فمن ذلك قول القاضي أبي يعلى: (إذا امتنع أهل الذمة من لبس الغيار لم يجز لأحد من المسلمين صبغ ثوب من ثيابهم) .
بعدما ذكر شيخ الإسلام أدلة الكتاب والسنة والإجماع على حرمة التشبه بالمشركين عقد ثلاثة فصول في التشبه بالشياطين والأعاجم والأعراب لما في التشبه بهم من نوع مشابهة للتشبه بالكفار؛
فأما التشبه بالشياطين فلأنهم من رؤوس الكفر فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشبه بهم.
كما روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بها فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بها) فعلل صلى الله عليه وسلم النهي عن الأكل والشرب بالشمال بأنه من فعل الشياطين فعُلم قبح التشبه بهم.
وأما الأعراب فليسوا مذمومين بنفس الأعرابية بل أخبر تعالى أن منهم مَن يتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول، وأخبر تعالى أنه سيدخلهم في رحمته، وقد كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأعراب الذين وفدوا عليه، وكانوا أفضل من كثير من القرويين.