وقد كان لعمر رضي الله عنه في باب إذلال المشركين ماهو مناسب لسيرته المرضية التي أعزت الإسلام والمسلمين، وكان رضي الله عنه وقافًا عند كتاب الله ممتثلًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، مستشيرًا في كل صغيرة وكبيرة للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم جميعًا.
4)أما عثمان رضي الله عنه فقد أقر ما كان قرره عمر رضي الله عنه من السنن، والأحكام، والحدود، وجرى على سننه فقد عُلم موافقة عثمان رضي الله عنه في هذا الباب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
5)روى سعيد بن منصور بسنده أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج فرأى قومًا قد سدلوا فقال: (ما لهم؟ كأنهم اليهود قد خرجوا من فورهم - أي مدارسهم -) رواه ابن المبارك وغيره، والغرض هنا أن عليًا رضي الله عنه شبه السادلين باليهود مبينًا بذلك كراهة فعلهم، فعُلم أن مشابهة اليهود أمر قد استقر عنده كراهته.
6)في الصحيح أن معاوية رضي الله عنه حين قدم المدينة خطب الناس، فكان مما ذكر في خطبته، أنه أخرج كبة من الشعر فقال: (ما كنت أرى أحدًا يفعله إلا اليهود إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه فسماه الزور) .
فقول معاوية فيه دليل على أن ما كان من زي اليهود فليس من زي المسلمين، وفيه نهيه رضي الله عنه عن مشابهة اليهود في زيهم.
7)ورى الخلال بسنده إلى ابن عباس أنه قال لرجل سأله عن الاحتقان فقال رضي الله عنه: (احتقن، لا تبد العورة ولا تستن بسنة المشركين) ، وهذا عام في كل ما عليه المشركون من الهدي الظاهر والباطن.
8)روى أبو داود بسنده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه أنه دخل عليه غلام، وله قصتان فمسح رأسه، وبرك عليه، وقال: (احلقوا هذين أو قصوهما فإن هذا زي اليهود) ، فنهى أنس بن مالك رضي الله عنه عن التشبه باليهود في زيهم.
9)روى أبو داود بسنده إلى ابن عمر رضي الله عنه أنه رأى رجلًا يتكئ على يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة فقال له: (لا تجلس هكذا فإن هكذا يجلس الذين يعذبون) ، وفي رواية: (تلك صلاة المغضوب عليهم) ، فعلل ابن عمر رضي الله عنه نهيه عن هذه الجلسة بأنها جلسة المعذبين وهذه مبالغة في مجانبة هديهم.
10)روى البخاري بسنده عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تكره أن يجعل المصلى يده في خاصرته وتقول: (إن اليهود تفعله) فعُلمَ بذلك أن فعل اليهود قبيح عندها، ولا يجوز للمسلمين فَعله.
11)روى ابن أبي عاصم بسنده إلى معاوية رضي الله عنه أنه قال: (إن تسوية القبور من السنة وقد رفعت اليهود والنصارى فلا تشبهوا بهم) ، فنهى رضي الله عنه عن التشبه بهم.
12)روى البيهقي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: (من بني ببلاد المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم حتى يموت، حشر معهم يوم القيامة) .
قال شيخ الإسلام: (وهذا يقتضي أنه جعلها من الكبائر الموجبة للنار، وإن كان الأول ظاهر لفظه فتكون المشاركة في بعض ذلك معصية) .
13)روى سعيد بن منصور بسنده إلى ابن مسعود أنه كان يكره الصلاة في الطاق وقال: (إنه من الكنائس، فلا تشبهوا بأهل الكتاب) ، وهذا نهي من ابن مسعود رضي الله عنه عن التشبه بهم.
14)روى البخاري عن القاسم - من أئمة التابعين وفقهاء المدينة السبعة - أنه كان يمشي بين يدي الجنازة، ولا يقوم لها، ويخبر عن عائشة أنها قالت: (كان أهل الجاهلية يقومون لها) ، فاستدل بقول عائشة رضي الله عنها أنه من فعل الجاهلية على كراهة القيام للجنازة.
تنبيه:
هذا الباب فيه نقول كثيرة عن الصحابة وهذه القضايا بعضها في مظنة الاشتهار، وما علمنا أحدًا من الصحابة ولا التابعين خالف ما ذكرناه من كراهة التشبه بالكفار والأعاجم في الجملة سواء كانت المخالفة في الهيئة واللباس وغيرها، فعلم إجماع الصحابة على ذلك.
وإن كان بعض هذه المسائل المعينة فيها خلاف وتأويل وليس هذا موضعه.
كما أنهم متفقون على اتباع الكتاب والسنة، وقد يختلفون في بعض أعيان المسائل لتأويلات ونحوها.
3)الوجه الثالث:
من وجوه تقرير الإجماع على مخالفة المشركين؛ ما ذكره علماء الإسلام من المتقدمين، والأئمة المتبوعين، وأصحابهم في تعليل النهي عن أشياء بمخالفة الكفار، أو الأعاجم، وهو أكثر من أن يمكن استقصاؤه.