الصفحة 8 من 18

1)الوجه الأول:

هو الشروط التي اشترطها أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه على أهل الذمة، ووافقه عليها سائر الصحابة، وعامة الأئمة بعدهم، وسائر الفقهاء الذين تكلموا عن عهد الذمة ذكروا هذه الشروط، وألزموا بها كل إمام أراد معاهدة الذميين، ولم ينقل عن أحد من العلماء أو الصحابة الاعتراض على هذه الشروط في الجملة، بل هي مجمع عليها، وهي أشهر شئ في كتب الفقه والعلم، وهذا يقتضي إجماع الصحابة وسائر الأئمة على العمل بهذه الشروط؛ ومنها: على لسان النصارى الذين وقعوا هذه الشروط: (أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شئ من ملابسهم: قلنسوة أو عمامة أو نعلين أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كنا وأن نشد الزنانير على أوساطنا وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا ... إلى آخر الشروط) .

فهذه الشروط المذكروة المقصد منها تمييز المسلم عن الكافر لئلا يشتبه أحدهما بالآخر، ولم يرض عمر رضي الله عنه بأصل التميز بل بالتمييز في عامة الهدى في الشعور واللباس والأسماء والمراكب والكلام وغير ذلك، ولقد كان أمراء الهدى بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحرصون ويبالغون في الحرص على تطبيق هذه الشروط، كما روى أبو الشيخ بإسناده أن عمر بن عبد العزيز دخل عليه الناس من بني تغلب، وعليهم العمائم كهيئة العرب، فقال: (من أنتم) ، قالوا: (نصارى) ، فقال: (علي بجلم) - أي مقص - فأخذ من نواصيهم وألقى العمائم وشق رداء كل واحد منهم شبرًا يحتزم به، وقال: (لا تركبوا السروج، واركبوا على الأكُف، ودلوا أرجلكم من شق واحد) ، ثم أرسل عمر بن عبد العزيز إلى أمراء الأمصار يأمرهم بمتابعة النصارى، لأن بعضهم ترك التقصيص ولبس المناطق على أوساطهم، وقال في خطابه (ولعمري إن كان يُصنَعُ ذلك فيما قبلَك إن ذلك بك ضعف وعجز فانظر كل شئ نهيتُ عنه وتقدمتُ فيه إلا تعاهدته وأحكمته ولا ترخص فيه ولا تعد عنه شيئًا) .

2)الوجه الثاني:

هو ما نقل عن الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، وكثير من الصحابة في أماكن مختلفة وأزمنة مختلفة في مواقف متعددة يأمرون فيها بمخالفة المشركين، ويعللون نهيهم عن أشياء بمخالفة المشركين، فكان ذلك إجماعًا منهم على لزوم مخالفتهم، لا سيما ولم ينقل عن أحد ممن حضر تلك المواقف أو ممن لم يحضرها اعتراض على ذلك أو إنكار له، بل كل ما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم جميعًا هو التحذير من مشابهة المشركين، وحرصهم رضي الله عنهم على مخالفتهم.

وإليك أمثلة من كلام بعض الصحابة رضي الله عنهم:

1)دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على امرأة في الحج فرآها لا تتكلم، فقال: (مالها لا تتكلم) ، فقالوا: حجت مصمتة، فقال لها: (تكلمي فإن هذا لا يحل، هذا عمل الجاهلية) ، روى الحديث بطوله البخاري فأخبر أبو بكر رضي الله عنه أن الصمت المطلق لا يحل، وعقب ذلك بقوله هذا من عمل الجاهلية قاصدًا بذلك عيب هذا العمل وذمه، وتعقيب الحكم بالوصف دليل على أن الوصف علة فدل ذلك على أن كون العمل من عمل الجاهلية يوجب النهي عنه والمنع منه.

2)كتب عمر رضي الله عنه إلى أهل فارس - المسلمين منهم - يقول: (إياكم وزي أهل الشرك) رواه البخاري. فهذا نهي منه للمسلمين عن كل ما كان من زي أهل الشرك.

3)روى الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (قلت لعمر رضي الله عنه: إن لي كاتبًا نصرانيًا فقال ما لك قاتلك الله أما سمعت الله يقول {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهَود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} ألا اتخذت حنفيًا؟ قال قلت:(يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه) فقال عمر: (لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله) ، فغضب عمر رضي الله عنه غضبًا شديدًا حين اتخذ أبو موسى رضي الله عنه كاتبًا نصرانيًا، وذلك لأن هذه الوظيفة تنافي الذلة التي فرضها الله عليهم والصغار الذي أوجبه الله عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت