التفسير و التأويل و لا استقلال برأى أو منهج أو دليل. و لعل الذى يساعد على هذا التوهم أسلوب الطاهر و طريقة عرضه للتفسير.
و لكن النظر المدقق المحقق في مقدمات تفسيره و أثناءه يدفع ذاك التوهم و ينقض تلك الفكرة المتسرعة، و يثبت أن لابن عاشور اتجاهه المميز و طريقته الخاصة في تفسير القرآن و تأويله، و يؤكد بأنه انخرط في الحركة الإصلاحية و التجديدية التى نشأ بين أحضانها فكرًا و تطبيقًا، مع الانفراد بطريقة خاصة تميزه عن جميع أقرانه و نظرائه من التجديديين و الإصلاحيين.
فإننا لا نكاد نتجاوز خطبة الكتاب حتى نسمع ابن عاشور يقول:"فجعلت حقًا على أن أبدى في تفسير القرآن الكريم نكتًا لم أر من سبقنى إليها، و أن أقف موقف الحكم بين طوائف المفسرين تارة لها و آونة عليها، فإن الاقتصار على الحديث المعاد، تعطيل لفيض القرآن الذى ما له من نفاد" [5] .
فابن عاشور ملتزم منذ اللحظة الأولى أن يقدم لنا الجديد مما لم يفطن له الأقدمون، و أن يقف من تراثهم موقف الناقد المحقق لا المقلد المتبع. بل إنه يتبع كلامه السابق بتفصيله قائلًا:"و لقد رأيت الناس حول كلام الأقدمين أحد رجلين: رجل معتكف فيما شاده الأقدمون، و آخر آخد بمعوله في هدم ما مضت عليه القرون، و في كلتا الحالتين ضر كثير، و هنالك حالة أخرى ينجبر بها الجناح الكسير، و هى أن نعمد إلى ما أشاده الأقدمون فنهذبه و نزيده، و حاشا أن ننقصه أو نبيده، علمًا بأن غمض فضلهم كفران"
للنعمة، و جحد مزايا سلفها ليس من حميد خصال الأمة" [1] (1) ."
إذن فنحن أمام نظرة نقدية تجديدية، لا ترضى بجمع القديم و استقصائه، بل تتطلع نحو فرز هذا التراث و تهذيبه، و من ثم الإضافة عليه و زيادته من واقع"فيض القرآن الذى ما له من نفاد".
"فالتفاسير و إن كانت كثيرة فإنك لا تجد الكثير منها إلا عالة على كلام سابق بحيث لا حظ لمؤلفه إلا الجمع على تفاوت بين اختصار و تطويل" [6] . لذا لا يختار ابن عاشور من التفاسير إلا عيونها بل إن ابن عاشور يرى أن أهم أسباب تأخر"علم التفسير"هو الولع بالتوقيف و النقل، اتقاء الغلط الذى عظموا أمره في القرآن"مما نتج عنه أن أصبح الناس يغتفرون في التفسير النقل و لو كان ضعيفًا أو كاذبًا، و يتقون الرأى و لو كان صوابًا حقيقيًا، لأنهم توهموا أن ما خالف النقل عن السابقين إخراج للقرآن عما أراد الله به" [7] .. و بسبب ترسخ هذه النظرة آل الأمر بالتفسير إلى أن أصبح"تسجيلًا يقيد به فهم القرآن، و يضيق به معناه" [8] .
و لا أدل على هذه الرؤية النقدية التجديدية المتجذرة عند ابن عاشور من عنوان تفسيره الأصلى و هو"تحرير المعنى السديد، و تنوير العقل الجديد، من تفسير الكتاب المجيد"، الذى اختصره فيما بعد ليصبح"التحرير و التنوير من التفسير" [9] .
إذن إذا كان ابن عاشور من المؤمنين بضرورة التجديد و المتطلعين للضرب فيه بسهم، فكيف يحدد ابن عاشور مضمون هذا التجديد في التفسير و طريقته؟ بعبارة أخرى، ما جوهر و ما جماع الأفكار و الرؤى النقدية و التجديدية التى يطرحها ابن عاشور؟!