بينما نجد أن ابن عاشور يعد غرض المفسر هو بيان مراد الله و توضيح مقصده، باعتبار ذلك غاية برأسها، للمفسر أن يستعين لتحقيقها بكل ما يخدم المقاصد القرآنية ويبينها.
إذن، فالهدائيون إنما يتوخون حشد كل ما يستخلصونه من القرآن، من مقاصد وحكم و قواعد تشريعية في شتى المجالات، من أجل الاستفادة منها نهوضًا بالمجتمع الإسلامى من حالة السبات و التخلف التى يعيشها، و معالجة لشئون الحياة كلها معيشية
أو مدنية أو سياسية. من هذا المبتغى يمكننا أن نفهم الانشغال المستمر و الدائب للهدائيين في تفاسيرهم بالقضايا الواقعية التى تشغل حاضرهم، محاولين كشف الهدى القرآنى فيها، باعتبار القرآن دستور الأمة و مرشدها في شتى شئونها و قضاياها فقد"كانوا في تفاسيرهم واقعيين تطبيقيين، كما كانوا في واقعيتهم و تطبيقاتهم هدائيين مجددين" [28] .
بينما نجد أن ابن عاشور يسلك الاتجاه المعاكس و يقصد غاية أخرى تتجلى في بيان المقاصد القرآنيه و تجليتها بتوظيف مختلف الأساليب و الوسائل و العلوم (من لغة وبلاغة، و نحو، و أصول فقه، و عمران، و اجتماع، و سياسة .. ) فى الكشف عن مختلف مستويات المقاصد و أنواعها (كلية، جزئية، فردية أو جماعية أو عمرانية، تشريعية اعتقادية أو بيانية .. ) . و هذا يفسر لنا ندرة إشارته إلى القضايا و المشكلات يعيشها المجتمع الإسلامى في عصره، بل قلما يذكر أو يتناول المسائل العلمية و القضايا المثيرة للجدل التى ظهرت مع الإصلاح و التجديد، و هذا ما سيؤخذ عليه فيما بعد قد يقول قائل: أليست المقاصد التى يتوخى ابن عاشور إظهارها و بيانها هى ما ذكره من هداية الأمة وإصلاحها فرديًا و جماعيًا و عمرانيًا، فحاصل الاتجاهين - إذن - متفق في إظهار هداية الله للخلق و إصلاحهم في شتى مناحى حياتهم ..
أقول: صحيح أن المقاصد - كما حددها ابن عاشور نفسه - لا تخرج عن هداية الأمة و إرشادها إلى حلول مشكلاتها، إلا أن ابن عاشور يقصر مهمة المفسر على تحديد مقاصد القرآن كما تتجلى في كلام الله تعالى، دون أن يتجاوز ذلك إلى النظر في المشكلات المعاصرة على ضوء الهدايات أو المقاصد القرآنية، فتلك قضية أخرى لا تدخل في التفسير كما يرى أو يراها ابن عاشور. في حين نجد الهدائيين يتجاوزون تحديد مقاصد القرآن وهداياته إلى محاولة تفعيلها و تطبيقها في واقع المسلمين عن طريق عرض مشكلاتهم الواقعية و قضاياهم المعاصرة، و محاولة النظر في حلولها على ضوء ما يرونه مناسبًا من مقاصد القرآن، و هديه، و كلياته التشريعية.
و يبدو أن نظرة ابن عاشور إلى وظيفة التفسير و دوره في الواقع كانت لا تزال تحمل كثيرًا من الآثار التقليدية القديمة، و إن حاول أن يجدد على صعيد المحتوى والمضمون. و هكذا يظهر أن مدرسة الهدائيين كانت متقدمة على الاتجاه المقاصدى من هذه الزاوية، و إن لم تبلغ شأوه في تجليه مقاصد القرآن في مختلف مستوياتها وتفصيلاتها على النحو الذى ظهر فى"التحرير و التنوير"و كما سنبين طرفًا منه فيما يأتى
شريف, محمد, اتجاهات التجديد في التفسير في مصر, في القرن العشرين, القاهرة: دار التراث 198263 - 68.
(2) المرجع السابق ص ص 64 - 67.