قد لا تكفينا - لتقديم إجابة دقيقة متكاملة - مطالعة تفسير ابن عاشور بمقدماته العشر. بل يلزمنا لفهم طريقة ابن عاشور و نظريته الإطلاع على مختلف نتاجاته الفكرية و خلفيته الاجتماعية و الثقافية، الأمر الذى سيوحى لنا بالكثير، و سيفسر لنا أمورًا كثيرة ما كنا نعلم أهميتها لديه و مكانتها لولا ذلك. و قد ذكرنا طرفًا من حياته و كتاباته فيما سبق.
انطلاقًا من ذلك يمكن القول إن الخيط الذى يسلك فكر ابن عاشور في نسق واحد، أو"المفهوم المفتاحى"الذى يتخلل في ثنايا كتاباته هو مفهوم"المقاصد". فقلما يعالج ابن عاشور موضوعًا - أى موضوع كان - إن في مقالة أو كتاب دون أن يرد لمفهوم"المقاصد"ذكر، أو يكون له دور في بناء فكرته و تطويرها حول ذلك الموضوع. بل يمكن القول. بقليل من المجازفة - إن مفهوم"المقاصد"هو من أكثر المفاهيم والمصطلحات تواردًا و تواترًا في نصوص ابن عاشور. فإلام نرجع تفسيرهذه الظاهرة؟!
يبدو أن الأمر لا يحتاج كثير تحليل و عناء لفهم ذلك. فالناظر في الخلفية العلمية التى نشأ عليها ابن عاشور يلحظ أنه ينتمى إلى المدرسة المالكية المغربية، و معلوم ما لهذه المدرسة من تميز و ملامح خاصة تختلف عن مالكية المشرق، لا سيما في مجال"مقاصد الشريعة"التى بلغ فيها الشاطبى شأوًا عظيمًا. و هذه"النزعة المقاصدية"وإن خبت لفترة من الزمن، لكنها ظلت كامنة بالقوة، منتظرة الحركات الإصلاحية التى بدأت بشائرها في المغرب العربى في النصف الثانى من القرن التاسع عشر حتى تبعث و تحيا من جديد. و هكذا يطبع"الموافقات"أول طبعة له في تونس سنة 1302 هـ - 1884 م، و يعزى هذا الدور تاريخيًا إلى خير الدين التونسى [10] ، و يكتب علال الفاسى كتابًا يتعرض فيه لمقاصد الشريعة على نحو موجز، و إذا أضفنا إلى ذلك أن مدرسة الإصلاح المشرقية - بزعامة الأفغانى و عبده - قد أولت اهتمامًا بالغًا بمقاصد الشريعة، حتى نقل عن الإمام محمد عبده تنبيهه و توصيته الملحة بأهمية كتاب"الموافقات"و ضرورة نشره و الاستفادة منه [11] .
فى ظل هذا الوضع لم يكن من ابن عاشور إلا أن انطبع بهذا الاهتمام، و تشرب هذا التوجه، فأخرج لنا أول مؤلف مستقل متكامل فى"مقاصد الشريعة الإسلامية"فى العصر الحديث، حتى إنه لفرط حماسته كان أول من دعى إلى إنشاء علم مستقل يدعى"علم مقاصد الشريعة". و قد وضع ابن عاشور في كتابه هذا خلاصة نظريته المقاصدية وزبدتها على نحو دقيق و منهجى، حتى أنشأ مدرسة أو اتجاهًا مقاصديًا كاملًا في المغرب العربى.
فإذا كان الأمر على هذا النحو فلا غرو أن يندرج تفسيره أيضًا ضمن هذا النسق الفكرى، و يتشح بهذه الطريقة و النظرية المقاصدية، لتسرى في حنايا تفسيره و تبرز بشكل تطبيقى عملى. و هذا ما سنحاول تلمسه و تتبعه فيما يأتى:
يكرس ابن عاشور منذ خطبة تفسيره مفهومًا للقرآن الكريم ذا ثلاث شعب:
فالقرآن هو: 1 - الجامع لمصالح الدنيا و الدين.
2 -الحاوى لكليات العلوم و معاقد استنباطها.
3 -الآخذ قوس البلاغة من محل نياطها [12] [13] .
هذا التحديد و إن جاء على نحو عرضى في سياق خطبة ابن عاشور، إلا أن له بالغ الأثر و الأهمية في التعريف بتفسيره و طريقته و منهجه، كما سترى لاحقًا.