يفرد ابن عاشور مقدمة بالغة الأهمية يحدد فيها غرض المفسر من التفسير، ويتعرض فيها لمقاصد القرآن و العلاقة بين هذين الأمرين. يبدأ ابن عاشور حديثه عن مقاصد القرآن فيتناولها من زاويتين: يحدد في الأولى المقصد الأعلى من القرآن، و في الثانية المقاصد الأصلية التى جاء القرآن لبيانها.
أما المقصد الأعلى من القرآن الكريم فهو كما يحدده ابن عاشور:"صلاح الأحوال الفردية و الجماعية و العمرانية"و تفصيل هذا هو أن:
"الصلاح الفردى يعتمد تهذيب النفس و تزكيتها، و رأس الأمر فيه صلاح الاعتقاد لأن الاعتقاد مصدر الآداب و التفكير، ثم صلاح السريرة الخاصة، و هى العبادات الظاهرة كالصلاة، و الباطنة كالتخلق بترك الحسد و الحقد و الكبر".
و أما الصلاح الجماعى فيحصل أولًا من الصلاح الفردى إذ الأفراد أجزاء المجتمع، و لا يصلح الكل إلا بصلاح أجزائه، و من شئ زائد على ذلك و هو ضبط تصرف الناس بعضهم مع بعض على وجه يعصمهم من مزاحمة الشهوات و مواثبة القوى النفسانية. وهذا علم المعاملات، و يعبر عنه الحكماء بالسياسة المدنية.
و أما الصلاح العمرانى فهو أوسع من ذلك، إذ هو حفظ نظام العالم الإسلامى، و ضبط تصرف الجماعات، و الأقاليم بعضهم مع بعض على وجه يحفظ مصالح الجميع، و رعى مصالح الكلية الإسلامية، و حفظ المصلحة الجامعة عند معارضة المصلحة القاصرة لها، و يسمى هذا بعلم العمران و علم الاجتماع [14] .
هذاما يتعلق بالمقصد الأعلى من القرآن، وأما المقاصد الأصلية-التى تندرج ضرورة تحت المقصد الأعلى الجامع - فهى حسب استقراء ابن عاشور ثمانية يمكن أن نلخصها فى [15] :
1 -إصلاح الاعتقاد .. و هذا أعظم سبب لإصلاح الخلق.
2 -تهذيب الأخلاق.
3 -التشريع و هو الأحكام خاصة و عامة.
4 -سياسة الأمة .. و فيه صلاح الأمة و حفظ نظامها.
5 -القصص و أخبار الأمم السالفة للتأسى بصالح أحوالهم، و للحذير من مساويهم.
6 -التعليم بما يناسب حالة عصر المخاطبين، و ما يؤهلهم إلى تلقى الشريعة و نشرها، و ذلك علم الشرائع و علم الأخبار.
7 -المواعظ، و الإنذار، و التحذير، و التبشير.
8 -الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة على صدق الرسول.
قد يتساءل المرء عن علاقة هذا العرض المقاصدى بتحديد غرض المفسر من التفسير!. تتضح هذه الصلة حين يقول ابن عاشور:
"غرض المفسر بيان ما يصل إليه، أو ما يقصده من مراد الله تعالى في كتابه بأتم بيان يحتمله المعنى، و لا يأباه اللفظ من كل ما يوضح المراد من مقاصد القرآن، أو ما يتوقف عليه فهمه أكمل فهم، أو يخدم المقصد تفصيلًا و تفريعًا .. مع إقامة الحجة على ذلك إن كان به خفاء، أو لتوقع مكابرة من معاند أو جاهل، فلا جرم كان رائد المفسر في ذلك أن يعرف على الإجمال مقاصد القرآن مما جاء لأجله، و يعرف اصطلاحه في إطلاق الألفاظ، و للتنزيل اصطلاح و عادات .." [16] .