يتبين لنا من عبارة ابن عاشور هذه أن عمل المفسر و فهمه إنما يجب أن يدور مع المقصد، و مع كل ما يمكن أن يسهم في إيضاحه و جلاءه. فالمقصد القرآنى هو قطب الرحى في حركة المفسر بمختلف نواحيها و مستوياتها. فبحوث المفسر، و تحليلاته اللغوية، أو البلاغية، أو الكلامية، أو التشريعية، أو الاجتماعية .. كل ذلك يجب أن يصب في خدمة المقصد القرآنى أساسًا.
و هذا هو المعيار الذى يحكم عند مطالعة التفاسير ليعرف"مقادير اتصال ما تشتمل عليه بالغاية التى يرمى إليها المفسر، فيوزن بذلك مقدار ما أوفى به من المقصد ومقدار ما تجاوزه" [17] .
و انطلاقًا من هذه الرؤية المقاصدية يحدد ابن عاشور موقفه و رأيه في كثير من المسائل و القضايا التى تعد من أصول التفسير و مباديه، فتكون بمثابة الضابط الذى يحدد له الاختيار الصحيح و الوجهة الحقة. فابتداء بتعريف التفسير الذى لا يقر بكونه علمًا إلا لبضع وجوه أحدها:"أن حق التفسير أن يشتمل على بيان أصول التشريع و كلياته فكان بذلك حقيق بأن يسمى علمًا .. و لكن المفسرين ابتدأوا بتقصى معانى القرآن فطفحت عليهم و حسرت دون كثرتها قواهم، فانصرفوا عن الاشتغال بانتزاع كليات التشريع إلا في مواضع قليلة" [2] (2) .
فإذا تطرق لمسألة التفسير العلمى، أو ما يصح الاستعانة به من العلوم في التفسير، كان المعيار المحكم لديه هو"خدمة المقاصد القرآنية". يذكر ابن عاشور أن من طرائق المفسرين طريقة تقوم على جلب"مسائل علمية من علوم لها مناسبة بمقصد الآية: إما على أن بعضها يومئ إليه معنى الآية، و لو بتلويح ما، كما يفسر أحد قوله تعالى:"
"و من يؤت الحكمة فقد أوتى خيرًا كثيرًا"فيذكر تقسيم علوم الحكمة و منافعها .. و كذلك أن نأخذ من قوله تعالى:"كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم"تفاصيل من علم الاقتصاد السياسى و توزيع الثروة العامة .. و هلم جرًا
و إما على وجه التوفيق بين المعنى القرآنى و بين المسائل الصحيحة من العلم حيث يمكن الجمع، و إما على وجه الاسترواح من الآية. كما يؤخذ من قوله"و يوم"
نسير الجبال"أن فناء العالم يكون بالزلازل .."
و شرط كون ذلك مقبولًا أن يسلك فيه مسلك الإيجاز فلا يجلب إلا الخلاصة من ذلك العلم و لا يصير الاستطراد كالفرض المقصود له لئلا يكون كقولهم: الشئ بالشئ يذكر" [18] ."
و بعد أن يقرر رأيه في المسألة يعرض آراء العلماء فيها، و يخلص إلى القول:
"إن السلف بينوا و فصلوا و فرعوا في علوم عنوا بها ولا يمنعنا ذلك أن نقفى على آثارهم في علوم أخرى راجعة لخدمة المقاصد القرآنية أو لبيان سعة العلوم الإسلامية" [19] .
فهو كما نرى لم ينف التفسير العلمى أو ينقضه من أساسه، كما لم يعتمد عليه ويعتبره أساس الهداية القرآنية، و إنما رأى أن القرآن قد أشار إلى علوم أو جاءت هى موافقة له - كعلم طبقات الأرض، و الطب، و الفلك، - فهذه يكتفى منها بما يحقق المقاصد القرآنية و يخدمها فحسب.
و إذا انتقلنا إلى موضوع أسباب النزول نجد ابن عاشور ينتقد المتقدمين الذين ألفوا في أسباب النزول فاستكثروا منها، و أساءوا بتلقفهم روايات ضعيفة أثبتوها في كتبهم وتوسعوا فيها توسعًا ضيق معانى القرآن العليا .. و الحق أن"القرآن جاء هاديًا إلى ما به صلاح الأمة في أصناف الصلاح، فلا يتوقف نزوله على حدوث الحوادث الداعية إلى تشريع الأحكام" [20] . فهو"إنما جاء"