الصفحة 2 من 10

لقد سنح لمحمد الطاهر بن عاشور أن يشرع في تصنيف تفسيره بعد أن انتقل من خطة القضا إلى خطة الفتيا سنة (1341 - 1923) كما يذكر في خطبة تفسيره [3] ."فأقدم على هذا المهم إقدام الشجاع على وادى السباع"و أمضى في تأليفه ما يربو على تسع وثلاثين سنة، تقلب فيها بين كثير من الوظائف و أنجز كثيرًا من الكتب و التصانيف، فكان تمام التفسير في عصر 12 رجب سنة 1380 هـ (1961) كما يحدد ابن عاشور - بدقة - في نهاية التفسير. و يلحظ أن هذه المدة الطويلة قد عاصرت تغيرات و تحولات كبيرة في المجتمع التونسى، لا سيما الاستقلال والتحديات التى واجهتها الحركة الاصلاحية، الأمر الذى يتوقع أن تنعكس آثاره على تفسيره، و لكننى لم أستطع أن أضع يدى بدقة على هذه الآثار، و لعلها تحتاج إلى دراسة أوسع و تحر أدق.

يقع تفسير"التحرير و التنوير"فى ثلاثين جزءًا، طبعت طبعات مختلفة و كثيرة، و لم أقف - فيما وقع بين يدى من مصادر - على تحديد لتاريخ الطبعة الأولى من هذا التفسير. و يبدو أن هذه البسطة في الحجم قد أكسبته صفة الموسوعة العلمية الشاملة التى

تدل على سعة علم صاحبه و تنوع مناحى ثقافته، كما تدل على دأب جاد و عزيمة صادقة على إتمام هذا العمل المستفيض. و هذا ما عجز عنه كثير من علماء هذا الزمان، الذين قضوا نحبهم قبل أن يتموا تفاسيرهم، أو آثروا كتابة تفاسير موجزة صغيرة.

يفتتح ابن عاشور تفسيره بمقدمات عشر [4] ، يرى أنها ستكون عونًا للباحث في التفسير، و ستغنيه عن معاد كثير، و تشبه أن تكون مقدمات في علم أصول التفسير وبعض علوم القرآن: كأسباب النزول، و القراءات، و القصص، و الإعجاز القرآنى. ويلحظ في هذه المقدمات أن الهدف منها لم يكن تفصيل القول في هذه المواضيع واستقصائه بقدر ما كان الهدف لإعطاء لمحة موجزة عنها، و تحديد طريقته، و منهجه في تفسير القرآن و تأويله، و موقفه من بعض القضايا الخلافية بين المفسرين.

من هنا تكتسب هذه المقدمات أهمية كبيرة في تحديد طريقة ابن عاشور، و منهجه، واتجاهه التفسيرى كما تجلى في ثنايا تفسيره، كما سنرى لاحقًا.

يشرع ابن عاشور بعد هذه المقدمات في تفسير سور القرآن الكريم سورة سورة، وآية آية، طبقًا للأسلوب الذى درج عليه المفسرون القدامى في تفسير القرآن. و قد درج في تفسيره لأى سورة على تقديم لمحة عن اسم السورة، و سبب تسميتها بهذا الاسم، وعن مكان نزولها، و زمانه، و موقعها من القرآن، و عدد آياتها، مع إيراد الآراء المختلفة في ذلك كله. بعد هذه المقدمة يخصص ابن عاشور فقرة خاصة مستقلة يعرض فيها"أغراض السورة"، و سنرى أن لهذه الفقرة أهمية بالغة في اتجاهه التفسيرى. ثم يبدأ بعد هذا في تفسير آيات السورة آية تلو أخرى حتى تنتهى.

المبحث الأول: الاتجاه المقاصدى في تفسير ابن عاشور: (المستوى التنظيرى) :

قد لا تستطيع نظرة عجلى في تفسير ابن عاشور أن تعطينا حكمًا موضوعيًا مناسبًا عنه. حيث توحى مثل هذه النظرة أنه من ذلك الطرز التقليدى من التفاسير الحاوية من كل فن و علم و المشتملة على كل مذهب و قول، من غير ما انفراد بطريقة خاصة فى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت