الصفحة 7 من 10

بكليات تشريعية و تهذيبية عامة" [21] ، لذا نرى أن ابن عاشور يمحص أسباب النزول فلا يختار منها"إلا ما توقف فهم المقصود من الآية على علمه" [22] ."

و حتى القصص القرآنى البديع فإن الغاية منه لا تقتصر على حصول العبرة والموعظة، بل تتجاوز ذلك إلى إرشاد الأمة، و تعريفها بتاريخ من سبقها من الأمم ولكى"تنشئ في المسلمين همة السعى إلى سيادة العالم كما ساده أمم من قبلهم ليخرجوا من الخمول الذى كان عليه العرب إذ رضوا من العزة باغتيال بعضهم بعضًا .. حتى آل بهم الحال إلى أن فقدوا عزتهم فأصبحوا كالأتباع للفرس و الروم"، بالإضافة إلى"فوائد في تاريخ التشريع و الحضارة و ذلك يفتق أذهان المسلمين للإلمام بفوائد المدنية" [23] .

و لا يفتأ ابن عاشورًا مؤكدًا حتى عند تناوله لترتيب آى القرآن و مناسباتها على أن"الغرض الأكبر للقرآن هو إصلاح الأمة بأسرها. فإصلاح كفارها بدعوتهم إلى الإيمان و نبذ العبادة الضالة، واتباع الإيمان، و الإسلام، و إصلاح المؤمنين بتقويم أخلاقهم وتثبيتهم على هداهم و إرشادهم إلى طرق النجاح و تزكية نفوسهم، و لذلك كانت أغراضه مرتبطة بأحوال المجتمع في مدة الدعوة" [24] .

و وظف ابن عاشور مفهوم"المقاصد"أيضًا في تحليله للنظم القرآنى وخصائصه، فكان له في ذلك نظرات حاذقة مبتكرة كقوله مثلًا:"نرى من أعظم الأساليب التى خالف بها القرآن أساليب العرب أنه جاء في نظمه بأسلوب جامع بين مقصديه و هما: مقصد الموعظة و مقصد التشريع، فكان نظمه يمنح بظاهره السامعين ما يحتاجون أن يعلموه و هو في هذا النوع يشبه خطبهم، و كان في مطاوى معانيه ما يستخرج منه العالم الخبير أحكامًا كثيرة في التشريع و الآداب، و قد قال في الكلام على بعضه"و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم"هذا من حيث ما لمعانيه من العموم و الإيماء إلى العلل و المقاصد [25] ."

أعتقد أن فيما سقته من أمثلة دلالة كافية على مدى محورية مفهوم"المقاصد"ومركزيته في فكر ابن عاشور لا سيما في مستوى التأصيل التفسيرى، أما على المستوى التطبيقى فهذا ما سنتحقق منه و نتبينه في الفصل التالى.

و لكن يلزمنا قبل الانتقال إلى ذلك توضيح قضية هامة، و هى الفرق بين الاتجاه المقاصدى كما تجلى عند ابن عاشور و الاتجاهات التفسيرية الأخرى، لا سيما الهدائى منها باعتباره الأكثر قربًا و اشتراكًا في كثير من القضايا الرئيسية. بعبارة أخرى، ما سبب إفرادنا لابن عاشور اتجاهًا خاصًا و طريقة مميزة و لم ندرجه في سياق اتجاهات أخرى تتقاطع معه في كثير؟!.

تنبع أهمية هذه القضية - أعنى التمييز بين الاتجاه المقاصدى و الآخر الهدائى - من أمرين اثنين:

الأول: الصلة المباشرة و الاحتكاك القديم بين ابن عاشور و المدرسة الإصلاحية المشرقية ممثلة بمحمد عبده و رشيد رضا، و متابعته لنتاجها الفكرية، بما فيها تفسير المنار الذى ينشر تباعًا في مجلة المنار، التى كانت تتداول في تونس بين المجموعات الإصلاحية.

الثانى: إن تفسير ابن عاشور لم يتم حتى بداية الستينات من القرن العشرين، أى أنه سبق بكثير من التجارب الإصلاحية و التجديدية في تفسير القرآن، و التى من المفترض أنه اطلع عليها .. و هذان الأمران يجعلان التساؤل السابق مشروعًا و مفهومًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت