الصفحة 8 من 10

بداية لا بد من الإشارة إلى أنه بعد تفتيش طويل في أحشاء تفسير ابن عاشور وثناياه لم أعثر على أية إشارة أو ذكر لأى من التفاسير الحديثة أو رواد الإصلاح والتجديد أو أحد من معاصريه، اللهم إلا مرات قليلة تضمنت إشارات إلى بعض شيوخه مثل بوعتور أو غيره. و هذا أمر يدعو للتساؤل - بحد ذاته - عن سبب هذا الإغفال أو التجاهل.

قد يصعب تحديد السبب الدقيق لهذه الظاهرة، و لكن نظرة شاملة و كلية إلى أسلوب ابن عاشور قد تساعدنا في تفسير ذلك و توضيحه. إذ يبدو أن ابن عاشور قد أخذ على نفسه مقارعة الأقدمين و منازلتهم، فكان منه الجرى على أساليبهم و عاداتهم في التفسير، و إن كان قد انحاز عنهم من حيث المحتوى و المضمون. فنلحظ الأسلوب التقليدى القديم في عرض الآيات و تفسيرها و في أسلوبه اللغوى الذى يستخدمه، و في تحاشيه ذكر أى مناسبة أو حدث معاصر، و كأنه يعيش بمعزل عن الواقع المعاصر له. وكأن ابن عاشور تعمد أن يتوفى .. سنن الأقدمين من حيث الشكل، و الأسلوب، و القالب العام للتفسير، حتى يكاد يبدو واحدًا من أعلامهم و مبرزيهم، و إن كان قد شق من جهة المضمون و المحتوى طريقًا غير التى سلكوا و ابتكر نهجًا غير الذى عرفوا.

إذا عدنا إلى المقارنة بين الاتجاهين المقاصدى و الهدائى فكيف سيتجلى لنا تمايزها؟!

يأكد الهدائيون و على رأسهم رشيد رضا على"أن القرآن الكريم إنما هو مرشد و هاد للناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا و حياتهم الآخرة، فإن هذا هو المقصد الأعلى وما وراءه تابع له أو وسيلة لتحصيله" [26] و استخدامه لمفهوم"المقصد الأعلى"هنا يذكرنا بما سبق ذكره، و يؤكد التقارب بين الاتجاهين.

بل إن التحديد الذى وضعه صاحب المنار لطبيعة التفسير و وظيفة المفسر يتشابه كثيرًا مع ما اعتبره ابن عاشور غرض المفسر - الذى ذكرناه - إذ يقول رشيد رضا:

"فالتفسير الذى يجب على الناس على أنه فرض كفاية هو ذهاب المفسر إلى فهم مراد القائل من القول و حكمة التشريع في العقائد، و الأخلاق، و الأحكام على الوجه الذى يجذب الأرواح، و يسوقها إلى العمل و الهداية المودعة في الكلام، ليتحقق فيه معنى قوله:"هدى و رحمة" [27] ."

والمقارن بين الاثنين في هاتين النقطتين قد يظن أنهما متفقان تمام الاتفاق، وكأنهما مقتبسان من مشكاه واحدة، بل قد يثبت تأثر ابن عاشور بالمدرسة الإصلاحية وبالمنار تحديدًا، حتى إن لم يشر إليه. و إذا تصور الأمر على هذا النحو، فما مبرر التفريق بين الاتجاهين أو إفراد ابن عاشور بطريقة خاصة و تمييزه عن المدرسة الهدائية؟!.

إن نظرة تحليلية مقارنة دقيقة لكلا الاتجاهين و رؤيتهما للتفسير ستثبت أن هناك انعطافًا دقيقًا و مهمًا لجهة الهدف و الغاية يشكل نقطة الافتراق و التمايز الجلى بينهما. وتتجلى آثار هذا الانعطاف على المستوى التطبيقى واضحة فيما يلحظه أى مقارن بين"التحرير و التنوير"و"المنار"مثلًا من تمايز و اختلاف شاسع من حيث طريقة التفسير، و أسلوبه، و طبيعة الموضوعات المتناولة و غيرها كما سنرى لاحقًا.

و هذا التحليل الدقيق لنصى رشيد رضا و ابن عاشور - المحددين غرض التفسير - سيوضح نقطة الاختلاف تلك:

فصاحب المنار يرى أن المفسر إنما يتخذ فهم مراد القول و حكمة التشريع وسيلة وطريقًا لجذب الأرواح و سوقها إلى العمل و الهداية المودعة في الكلام ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت