الإتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتسق، أمر تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدورهم" [1] ."
ويقول عبد القاهر [2] :"إذا قلت: إنَّ التحدي وقع في القرآن إلى أنْ يؤتى بمثله على جهة الابتداء، ما تعني به؟ أتعني أنه يأتي في ألفاظ غير ألفاظ القرآن، بمثل الترتيب والنسق الذي تراه في القرآن، فإنْ قال ذلك أعني، قيل له: أعلمت أنه لا يكون الإتيان بالأشياء بعضها في إثر بعض على التوالي نسقًا وترتيبًا، حتى تكون الأشياء مختلفة في أنفسها، ثم يكون للذي يجئ بها مضمومًا بعضها إلى بعض غرض فيها ومقصود، لا يتم ذلك الغرض وذاك المقصود، إلاَّ بأنْ يتخيّر لها مواضع، فيجعل هذا أولًا، وذاك ثانيًا، فإنَّ هذا لا شبهة فيه على عاقل، وإذا كان الأمر كذلك لزمك أنْ تبيِّن الغرض الذي اقتضى أنْ تكون ألفاظ القرآن منسوقة النسق الذي تراه، ولا مخلص له من هذه المطالبة، لأنه إذا أبى أنْ يكون المقتضي والموجب الذي تراه من النسق، المعاني وجعله قد وجب لأمر يرجع إلى اللفظ، لم يجد شيئًا يحيل الإعجاز في وجوبه عليه البتة" [3] .
(1) بيان إعجاز القرآن، 23 - 25.
(2) دلائل الإعجاز، 241.
(3) انظر: دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني، ص 341.