متحولًا .. ولن تجد هذه الأوضاع إلاَّ مقصودة بعينها، كما ظهر القصد في كل طائفة أنْ تنتظم منها وحدة محدودة ذات ترتيب ومقدار بعينه" [1] ."
ولقد اقتضت حكمة العليم الخبير ـ وهو أعلم بالنفوس ـ أنْ يكون هذا الذكر جامعًا لكل طرق الهدى، لكونه ختامًا، وأن يكون معجزًا لكونه تمامًا، ونزوله على سبيل التدريج موصلًا القول فيه بعضه في إثر بعض ليكون جوابًا لأقوالهم وحلًا لإشكالهم، فيكون أقرب إلى العقول، وأولى بالتدبر والتذكر، وأظهر في الإدراك، والنفس أشد تقبلًا له، لما هو عليه من حسن النِّظام والقرب إلى الإفهام.
ويجب أنْ نضع في اعتبارنا أنَّ القرآن جاء في أرقى درجة من النظم والإحكام، وأنَّه رُتِّب ترتيبًا فاق مستوى البُلَغاء، وأنَّ كل ذلك وغيره مما يتعلق بالقرآن وأسلوبه وترتيبه بوحي من الله تعالى، وأنَّ ما وراء ذلك من نظر العلماء واستنباطهم فهو التماس لإظهار بعض أوجه إعجاز القرآن الكريم.
ولعل فيما ذكرناه الكفاية في الدلالة على إعجاز القرآن البياني وعلى أنه كلام الله تعالى المنزل على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وفي ذلك أكبر دليل وأعظم برهان على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، طالما أنَّ هذه المعجزة الباقية تتحدى
(1) النبأ العظيم، 145 ـ 147"بتصرف".