الصفحة 15 من 25

والتقوى في هذا الموضع: اسم جامع لترك كل ما يكرهه الله ورسوله، من الأعمال الظاهرة والباطنة. وكلُّ خصلة من خصال الخير المأمور بفعلها، أو خصلة من خصال الشر المأمور بتركها، فإن العبد مأمور بفعلها بنفسه، وبمعاونة غيره من إخوانه المؤمنين عليها، بكل قول يبعث عليها وينشط لها، وبكل فعل كذلك [1] . وقد ذكرت التقوى في الدعوة الى حسن الخلق قال تعالي: {وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى} والتقوى، وهي [هنا] : اسم جامع لترك جميع المحارم والمآثم [2] .وان خير الزاد هو التقوى قال تعالي: {فأن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} يتم التقرب إلى الله بترك المعاصي حتى يفعل الأوامر أمر تعالى بالتزود لهذا السفر المبارك , فإن التزود فيه الاستغناء عن المخلوقين وأما الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه , في دنياه , وأخراه , فهو زاد التقوى الذي هو زاد إلى دار القرار , وهو الموصل لأكمل لذة , وأجل نعيم دائم أبدًا، ومن ترك هذا الزاد , فهو المنقطع به الذي هو عرضة لكل شر , وممنوع من الوصول إلى دار المتقين. فهذا مدح للتقوى [3] . وهي خير لباس للمؤمن الحق وقد دل الله تعالي عليه بقوله: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} أي خيرا من اللباس الحسي، فإن لباس التقوى يستمر مع العبد، ولا يبلى ولا يبيد، وهو جمال القلب والروح [4] . وان من الأعمال الصالحة التي تقرب المرء من التقوى العفو الذي أمرنا الله به والعدل قال تعالى: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} ثم رغب في العفو , وأن من عفا , كان أقرب لتقواه , لكونه إحسانا موجبا لشرح الصدر , ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف [5] وكقوله عز وجل: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أي: كلما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به، كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم، فإن تم العدل كملت التقوى [6] . وان من البراهين الدالة على تقوى الله سبحانه وتعالي هو تعظيم شعائره عز وجل: {فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} فتعظيم شعائر الله صادر من تقوى القلوب، فالمعظم لها يبرهن على تقواه وصحة إيمانه، لأن تعظيمها، تابع لتعظيم الله وإجلاله [7] . وان الله سبحانه وتعالي ينال من هذا التعظيم الإخلاص الكامل والاحتساب، والنية الصالحة، ولهذا قال: {وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} ففي هذا حث وترغيب على الإخلاص في النحر، وأن يكون القصد وجه الله وحده، لا فخرا ولا رياء، ولا سمعة، ولا مجرد عادة، وهكذا سائر العبادات، إن لم يقترن بها الإخلاص وتقوى الله، كانت كالقشور الذي لا لب فيه، والجسد الذي لا روح فيه [8] . ولا ننسى أن التقوى هي أساس كل شي في الوجود قال تعالي: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} ظهر فيه الإسلام في"قباء"وهو مسجد"قباء"أسس على إخلاص الدين للّه، وإقامة ذكره وشعائر دينه [9] ، فوضح الله سبحانه وتعالي أن: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} هي {لا إله إلا الله} وحقوقها، ألزمهم القيام بها، فالتزموها وقاموا بها، {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا} من غيرهم {و} كانوا {أهلها}

(1) المرجع السابق ج:6 ص:182 سورة المائدة آية 2.

(2) المرجع السابق ج:28 ص:784 سورة المجادلة آية 9.

(3) المرجع السابق ج:2 ص:74 سورة البقرة آية 197.

(4) المرجع السابق ج:8 ص:248 سورة الأعراف آية 26.

(5) المرجع السابق ج:2 ص:88 سورة البقرة آية 237.

(6) المرجع السابق ج:6 ص:187 سورة المائدة آية 8.

(7) المرجع السابق ج:17 ص:487 سورة الحج آية 32.

(8) المرجع السابق ج:17 ص:488 سورة الحج آية 37.

(9) المرجع السابق ج:11 ص:309 سورة التوبة آية 108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت