ومن هنا فإن التحفظات التي تتعلق بالمجموعة الثانية من الترجمات تنصب على مجال آخر هو مجال اللغة الفرنسية.
ولعلمهم بأن الفرنسية ليست لغتهم الأم، حتى وأن كان البعض منهم يعيشون في فرنسا، أو أنهم قد تلقوا تعليمهم بها، فإن هؤلاء المترجمين قد استعانوا بأعمال زملائهم المستشرقين، بما أنهم أصحاب هذه اللغة، ليستدلوا بها في ترجماتهم. وهو الأمر الطبيعى لأي عمل أكاديمي، غير أنه بخلاف عمليات النقل, فقد انزلق البعض سهوًا واستخدموا نفس الصيغ المدسوسة بدهاء لينقلوها إلى ترجماتهم, ولا نذكر هنا على سبيل المثال إلا ذلك الذي نقل عبارة جاك بيرك التي ترجم بها (أن الله يتوب) بمعنى أنه يتوب عن خطئه (والعياذ بالله) ، بدلا من أنه يتوب عن أخطاء البشر! صحيح أن فعل يتوب باللغة العربية يعني أن الشخص يندم عن عمل ما, وبالعربية أيضًا فإن نفس الفعل حينما يتعلق بالله عز وجل فإنه يأخذ وبلا أي تردد معنى العفو. وبالنسبة للمسلم فإن هذه التفرقة بين المعنيين تتم تلقائيًا وفقًا للمضمون, أما بالنسبة للمستشرق الذي يبحث عن التشويه والتزوير, فإن ما قام به جاك بيرك يعد مطابقًا! لذلك لابد من ترجمتها بفعل آخر.
وهناك مثال آخر أقل فداحة من الناحية الدينية, وقد انتقل تقريبًا إلى كل الترجمات ألا وهو اختيار ألفاظ بعينها, مثال كلمة Repudiation كمقابل لكلمة الطلاق، في حين أن المقابل الفرنسي موجود, وهو Divorce والفرق بين الكلمتين في اللغة المترجم إليها أن الطلاق يمثل واقعة محدودة, في حين أن Repudiation تتضمن بالنسبة للمرأة, معنى إهانة الطرد. الأمر الذي يسيء إلى حقيقة الإسلام وموقفه من المرأة.
ولم يكن ذلك مثالًا بسيطًا للتلاعب بالألفاظ الذي يقوم به المستشرقون, والذي تكاد لا تخلو منه صفحة من صفحات ترجماتهم.
وتبقى مشكلة أساسية: نظرًا لاختلاف وعاء اللغتين فإنه لا يمكن القيام بترجمة مرضية حقًا لمعاني القرآن الكريم باللغة الفرنسية دون اللجوء إلى اشتقاق كلمات جديدة. إنها ضرورة قد لامسها كل الذين تعرضوا لهذا المجال. إلا أن هذه الضرورة الموضوعية، من ذا الذي سيقوم بها؟ أولئك الذين أمضوا أربعة عشر قرنًا في الحفاظ على تلاعب متعمد بالقرآن؟ هل سيشغلون بالهم بصياغة اشتقاقات جديدة حتى يعطوا صورة أقرب ما تكون من النص الذي يحاولون استبعاده من الوجود؟!
ومن ناحية أخرى, فإن المسلمين نادرًا مايجرأون على اقتحام هذا المجال, لمعرفتهم عن