ولا يمكن للغرب أن يدرك ذلك الأمر؛ حيث إنه عانى من تجربة على عكس ذلك تمامًا مع نصوصه المقدسة التي لم تكف عن الخضوع لعمليات التحريف حتى يومنا هذا, ولا نذكر هنا الا محاولات البابا يوحنا بولس الثاني"تبديل"سبعون آية أو فقرة من الإنجيل لكي يحقق وحدة الكنائس التي يريدها لواء الكاثوليكية الفاتيكانية, لكي لا نقول شيئًا عن التناقضات التي تتضمنها الأناجيل والتي لا يمكن تخطيها بتاتًا.
ولا يمكن للغرب أن يدرك عمق تعلق المسلمين بالقرآن, ولا ذلك الإجلال الراسخ الذي يخصونه به. لذلك يعد مطلب جاك بيرك وأمثاله خطأ منهجيًا؛ لأنه لا يمكن تطبيق قواعد أجرومية ووسائل تحليل لغة ما على لغة أخرى, خاصة آليات لغة لاتينية على لغة سامية.
أما فيما يتعلق"بنقل القرآن إلى الحاضر", أو بقول آخر: بتحريف القرآن, الذي يصرون عليه بزعم أن يتمشى مع الحاضر أو مع العصرية المزعومة, فلا يحق لإنسان أن يمس أي حرف من هذا النص المنزل, المقدس, الطاهر والمصون, فحسب, ولكن الرد الوحيد الذي يمكن قوله هو هذه الآية من سورة الحجر:"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ".
منذ زمن بعيد والتفكير في الترجمة يتركز على تناقضات ثنائية: اللغة الأصلية / اللغة المترجم إليها؛ النص الأصلي/ النص المترجم؛ ترجمة حرفية/ ترجمة حرة؛ ترجمة المقابل الحرفي/ ترجمة الروح العامة. وكل هذه التوجهات التي ليست على نفس المستوى تؤدي إلى نقطة أساسية: الاهتمام بالنص الأصلي أم النص المترجم إليه؟ ورغمها, وأيًا كانت الخيارات أو المصاعب, فإنه توجد دائمًا عمليات مشتركة لكل اللغات تسمح بعمل معادلات مقابلة.
وفيما يتعلق بترجمة معاني القرآن, مع مراعاة مصاعب اللغة العربية وخصوصيتها, وسماتها المميزة, فلا يمكن الاكتفاء باختيار نسق واحد لاتباعه, وإنما لا بد من الاستعانة بكل وسائل الترجمة الممكنة, وفقًا للسياق, حتى يمكن تقديم فكرة سليمة عن المعنى.
ولقد جرى العرف على الكتابة, ببساطة, أن اللغة العربية لغة سامية, وأنها تختلف عن اللغات اللاتينية, وأنها تنعم بمرونة فائقة, وذلك لأنها تتضمن إمكانية شاسعة للاشتقاقات.
وبالفعل, إن الفرق بين الإصلاح العربي وأي إصطلاح غربي يكمن في تلك الإمكانيات الشاسعة للغة العربية, التي تتضمن إضافة إلى ذلك: سهولة كبرى في صيغ النحو,