فهرس الكتاب
والإنسان بعد هذا / هو نسخةٌ مختصرة من العالم الواسع - كما قيل -، ففيه:
بسائطه ومركباته، وماديَّاته ومجرداته .. بل هو العالم الأكبر .. يقول الشاعر:
دواؤك فيك وما تشعر ... وداؤك منك منك ولا تُبصر
وتحسب أنَّك جِرمٌ صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر
ثم الإنسان خلاف الجنِّ / فسميَّ إنسانًا لظهوره، والجن لاجتنانه .. أي: خفائه.
لقد أودع الله الإنسان [بحكمته الباهرة قوتين:
قوة مَلَكية - تتشعب من فيض الروح المخصوصة بالإنسان، وعلى الروح الطبيعية السارية في البدن، وقبولها ذلك الفيض وانقهارها له.
وقوة بهيمية - تتشعب من النفس الحيوانية المشترك فيها كلُّ حيوان، المتَّشجة بالقوى القائمة بالروح الطبيعية، واستقلالها بنفسها، واذعان الروح الإنسانية لها، وقبولها الحكم منها.
ثم تعلم أن بين القوتين تزاحمًا وتجاذبًا، فهذه تجذب إلى العلو دون تلك .. ، وإذا برزت البهيمية وغلبت آثارها كمنت الملكية، وكذلك العكس، وأن للباري جلَّ شأنه عناية بكل نظام وجودًا بكل ما يسأله الاستعداد الأصلي والكسبي، فإن كسبت هيئات بهيمية أمدَّ فيها ويسَّر لها ما يناسبها، وإن كسبت هيئات ملكية أمدَّ فيها ويسَّر لها ما يناسبها، كما في قوله تعالى: فأما من أعطى واتَّقى (وصدَّق بالحسنى (فسنُيَسِّره لليُسرى (وأما من بخل واستغنى (وكذَّب بالحسنى