الصفحة 31 من 40

ثم انظر إلى تدبير الحقِّ لكلِّ نوعٍ، وتربيته إياه، ولطفه به، فلما كان انبات لا يحسُّ ولا يتحرك، جعل له عروقًا تمتص المادة المجتمعة من الماء والهواء ولطيف التراب، ثم يفرقها في الأغصان، وغيرها ..

ولما كان الحيوان حساسًا متحركًا بالإرادة، لم يجعل له عروقًا تمتص المادة من الأرض، بل ألهمه طلب الحبوب والحشيش والماء من مظَّانِّها، وألهمه جميع ما يحتاج إليه من الارتفاقات ..

ولما كان الإنسان مع احساسه وتحرُّكه وقبوله للإلهامات الجبِلِّيَّة، والعلوم الطبيعية، ذا عقلٍ وتوليد للعلوم الكسبية، ألهمه الزرع والغرس والتجارة والمعاملة، وجعل منهم السيد بالطبع والإتِّفاق، والعبد بالطبع والإتِّفاق، وجعل منهم الملوك والرعية، وجعل منهم الحكيم المتكلم بالحكمة الإلهية والطبيعية والرياضية والعملية، وجعل منهم الغبيِّ الذي لا يهتدي لذلك إلاَّ بضرب تقليد ..

واعلم أن الإنسان ليس كسائر أنواع الحيوان، بل له إدراك أشرف من إدراكاتهم ...

ومن خوَّاصه أيضًا: أن يكون في نوع الإنسان مَن له خلوصٌ إلى منبع العلوم العقلية يتلقاها منه وحيًا أو حدسًا أو رؤيا، وأن يكون آخرون قد تفرَّسوا من هذا الكامل آثار الرشد والبركة، فانقادوا له فيما أمر ونهى.

وليس فردٌ من أفراد الإنسان إلاَّ له قوةُ للتخلص إلى الغيب برؤيا يراها، أو برأيٍّ يُبصره، أو هتيفٍ يسمعه، أو حدسٍ يتفطَّن له، إلاَّ أن منهم الكامل ومنهم الناقص، والناقص يحتاج إلى الكامل، وله صفاتٍ يجلُّ طورها عن طور صفات البهائم، كالخشوع .. والنظافة .. والعدالة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت