الحمد لله على ماأنعم، والصلاة والسلام على الرسول الاكرم محمد المصطفى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد:
البحث في القرآن الكريم لاينتهي مامرَ من الزمان، وما أُختلف في المكان لأن هذا الكتاب السماوي لاتنتهي عجائبه ولاتنقضي معاجزه، فقد كان ومازال المنبع الأصيل لكثير من الدراسات اللغوية والنحوية والبلاغية والنقدية والأسلوبية.
وهذا البحث يتناول جانبًا من جوانب القرآن الكريم، ألا وهو الجانب الخطابي، وخطابات القرآن الكريم تتنوع وتتلون متخذة أساليب عدة تتحدد وفقًا للمعنى والدلالة والسياق والنظم ونحو ذلك.
اقتضت طبيعة هذا البحث أن يستقر منهجه على توطئة لموضوع الدراسة، تناولت فيها نبذة مختصرة عن معنى (فحوى) ومعنى (فحوى الخطاب) ، ويمكن أن تُسمى هذه الدراسة بالتنظير الذي اتخذ ملامحه وحدوده من كتب المعاجم وعلماء اللغة.
ثم اعقبت ذلك دراسة أنماط فحوى الخطاب في القرآن الكريم، وهي بمثابة التطبيق الذي كان مستنبطًا مما ورد من هذا الخطاب في الآيات الكريمة.
أما مصادر البحث فقد كانت تارة مصادر قرآنية وتفسيرية مستنبطة من كتب المفسرين قديمًا وحديثًا، وتارة أُخرى مصادر لغوية مظانها الدراسات والبحوث من القدامى والمحدثين.
بعد هذا اختتمت البحث بخاتمة بينت فيها أهم النتائج والملاحظات التي اثبتتها هذه الدراسة في ثناياها. ثم جاءت بعدها المصادر والمراجع التي استعنت بها في كتابة بحثي وإني لاتوجه بعملي هذا الى الله سبحانه وتعالى سائلة أنْ يجعله خالصًا لوجه
الكريم ومتضرعة أنْ يكون ذا نفع وفائدة للمؤمنين والمؤمنات جميعًا، عسى أن ينفعني في يوم لاينفع فيه مال ولابنون إلاَ من أتى الله بقلب سليم. وماتوفيقي الاَ بالله، عليه توكلت وإليه انيب ... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
-أ-
توطئة
لابد لنا قبل الشروع في بسط مضمون هذا البحث والولوج في أصوله النظرية والتطبيقية، من وقفة سريعة نتلمس فيها معاني لفظة (فحوى) وصيغ إشتقاقها من أمهات المعاجم العربية. ونبدأ هذه الدراسة بالوقوف مع المدلول المعجمي للفظ فحا: الفِحا والفِحا، مقصور: أبراز القِدر بكسر الفاء وفتحها والفتح أكثر، وورد في الحديث: منْ أكل فحا أرضنا لم يضُرهُ ماؤها ويعني الفحا هنا نبات البصل. وألفحا أيضًا توابل القدور كالفلفل والكمون ونحوهما، والفحوة الشهدة [1] .
وورد في كلام العرب قولهم: فحوى القول أي معناه ولحنه، ويُجمع على الأفحاء، ومعنى: عرفت ذلك في فحوى كلامه وفحوائه وفُحوائه أي معراضه ومُذهبه، وهو يفحَي بكلامه الى كذا وكذا أي يذهب الى كذا وكذا وكأنه من فحيَت القدْر إذا ألقيت الإبراز [2] .
وهكذا نرى أن الوضع اللغوي الاول للفظ (فحا) المادة الأشتقاقية للفظ (فحوى) هو معنى مادي، يتعلق بالأمور المادية (إبراز القدر، البصل) ثم انتقل اللفظ الى حقل دلالي هو تعلقه بالأمور المعنوية (القول، الكلام، المذهب) ، وان كان لايمكن الإنكار بوجود وشائج وصلات بين المعنيين.
بعد هذه الأطلالة البسيطة لمعنى لفظ (فحوى) معجميًا، تقتضي منا هذه الدراسة تمثل معاني هذه اللفظة وتجسيد مدلولاتها مفهومًا وإصلاحًا من منبت الدراسات اللغوية وكتب التفسير وعلوم القرآن.
أشار أبو هلال العسكري (ت 395 هـ) أنَ فحوى الخطاب هو"مايُعقل عند الخطاب لابلفظه كقوله تعالى (( (( (تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ(23 ) ) [3] "فالمنع من ضربهما يعقل عند ذلك" [4] ."
وعزاه ابن قيمَ الجوزية (ت 751 هـ) الى أساليب البيان، وسماه الأشارة حيث قال:"فقد قال علماء البيان الأشارة ان تطلق لفظًا جليًا تريد به معنى خفيًا وذلك من ملح الكلام وجواهرالنثر والنظام" [5]
(1) - الصحاح: 2/ 1781، ولسان العرب: 5/ 149.
(2) - الصحاح: 2/ 1781، ولسان العرب: 5/ 149
(3) - سورة الاسراء:23.
(4) - الفروق اللغوية: 46.
(5) - بدائع الفوائد: 125.