الصفحة 4 من 9

وأضاف أن اللغويين يسميه الإيماء وقد يسمونه الوحي [1] .

وجعله الزركشي (ت 794 هـ) من باب تنبيه الخطاب فيأتي تارة للتنبيه بالقليل على الكثير وتارة أخرى للتنبيه بالكثير على القليل، وأشار الى وروده في الجملة الطلبية، وكذا الجملة الخبرية [2] .

اما السيوطي (ت 911 هـ) فأتى على ذكر موضوع (فحوى الخطاب) في فصل مفهوم القرآن، وهو على نوعين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، والذي يعنينا: مفهوم الموافقة وهو"مايوافق حكمهُ المنطوق، فإن كان أولى، سُمي: فحوى الخطاب، كدلالة (( (( (تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ(23 ) ) [3] على تحريم الضرب، لانه أشد" [4] .

وبعض المحدثين سماه"دلالة الفحوى"أو"دلالة النص"وأشار اليه بقوله""وتتمثل دلالة الفحوى في فهم غير المنطوق به من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده" [5] ."

عند استقراء الآيات الكريمة في القرآن المجيد يتبين أنَ فحوى الخطاب يأتي على نحو ثلاثة أنماط من التعبير هي:

1 -التعبير بالقليل للتدليل على الكثير: بمعنى أن هناك الفاظًا تدل بمعناها المعجمي او اللغوي على الشيء القليل أو الحدث اليسير، غير أنَها ترد في القرآن الكريم دالة على الشئ الكثير أو الحدث الكبير، اعتمادًا على القرائن السياقية في الآية نفسها، مثال ذلك كلمة"أف"في قوله تعالى مخاطبًا الأبناء بصيغة النهي"فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ (( (( (" [6] . عند تتبع المعنى المعجمي لكلمة"أف"نجده: وسخ الاذن، وأتفَ:

وسخ الظفر، وتقال لما يُستثقل ويتضجر منه، ومنه قولهم أُف وتفَ له [7] . أما المعنى

اللغوي فهو: أف إسم الضجر ويأتي معرفًا بمعنى التضجر ومنكرًا بمعنى تضجرًا [8] أو هو صوت يدل على التضجر وقيل هو اسم فعل تضجْر [9] . أو هو مصدر بمعنى تبًا وقبحًا [10] .

عندما نتمعن في دلالة هذه اللفظة في الآية الكريمة أعلاه نجد أنه لا يراد بها أحد المعنيين: المعجمي او اللغوي، بل يطرح السياق معنى شرعيًا [11] مناطًا بمعنى الآية، فالآية ناهية على قول (أف) عند مخاطبة الوالدين [12] ، ويروى عن الإمام الصادق (عليه السلام) "أدنى العقوق أف ولو علم الله شيئًا أهون منه لنهى عنه" [13] غير أن الدلالة لاتقف عند أعتاب هذا المعنى، فلفظ (أف) يدل في فحواه على ماهو أكثر من ذلك، فالنهي هنا يضم منع كل أنواع الإيذاء والشتم وتحريم الضرب وماشاكله لأن ذلك أشد وقعًا [14] ، قياسًا بطريق الاولى"كما يصف ذلك البيضاوي [15] ، فما دام الله سبحانه وتعالى نهى عن التلفظ بكلمة (اف) في مخاطبة الوالدين، التي تدل في معناها اللغوي على التضجر والتملل باختيار وحدة كلامية صغيرة متكونة من ثلاثة احرف (أ-ف-ف) ، وهي ايضًا وحدة دلالية دالة على الشيء القليل من الإيذاء، فإنها في فحواها تدل على أكثر من ذلك، لأنها جاءت في سياق النهي، فالنهي عنها يضم النهي عن كل أنواع الإيذاء وأشكال الظلم للوالدين وذلك لأن هذه الآية الكريمة جاءت في سياق آيات أُخر تتحدث عن البر بالوالدين وتحريم المساس بكرامتهما لما لهما من كرامة عند الله سبحانه وتعالى والاحسان لهما بالقول والفعل والتذلل أمامهما (( (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24 ) )) [16] ."

كل هذا ونحوه لايعقل ان يقف فقط عند تحريم النطق بـ (أفَ) فلابد أنَ هناك محذوفًا نتبينه من فحوى هذا اللفظ"وعلى هذا الأساس فدراسة المعاني تتطلب تحليلًا للسياقات والمواقف التي ترد فيها، حتى ماكان منها غير لغوي، ومعنى الكلمة على هذا يتعدد تبعًا لتعدد السياقات التي تقع فيها، أو بعبارة اخرى لتوزعها اللغوي [17] "

ومن هذا القبيل ايضًا قوله تعالى (( (( (اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا(40 ) ) [18] ، الذرة اشتقاق من الذر وهو الهباء أو زنة نملة صغيرة،

(1) - بدائع الفوائد: 125 ..

(2) - البرهان في علوم القرآن: 2/ 16 - 20.

(3) -. سورة الاسراء:23.

(4) 4 - .الاتقان في علوم القرآن: 2/ 63.

(5) - دراسة المعنى عند الاصوليين: 15.

(6) - سورة الاسراء:23.

(7) - المفردات في غريب القرآن: 28، وتفسير غريب القرآن: 87.

(8) - الخصائص: 3/ 39 - 40.

(9) - بدائع الفوائد: 125، وتفسير البيضاوي: 11/ 568، ودراسة المعنى عند الاصوليين: 156.

(10) - تفسير الجلالين: 285.

(11) (-"المعنى الشرعي: هو استحداث معنى جديد لكلمات وردت في القرآن الكريم لم تكن موجودة قبل نزوله في كلام العرب والشعر الجاهلي، ينظر: الصاجي في فقه اللغة: 44، والتطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن: 22."

(12) - تفسير البيضاوي: 1/ 568، والتفسير البياني: 15/ 157.

(13) - تفسير شبر: 281.

(14) - الكشاف: 3/ 11، والاتقان في علوم القرآن: 2/ 63.

(15) - تفسير البيضاوي: 1/ 568.

(16) سورة الاسراء: 23 - 24.

(17) - علم الدلالة: احمد مختار عمر: 72.

(18) - سورة النساء: 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت