أي تعبير، فالدوال تميزت هنا بأكثر من معنى ودلالة مسورة بسياق خاص بها.
ونحو قوله تعالى"فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) " [1] ،رأي السيوطي أن (مثقال ذرة) معناه زنة نملة صغيرة، ومعنى الآية الكريمة أن الذي يعمل عملًا صالحًا ولو كان بمقدار النملة الصغيرة يرى ثواب عمله والذي يعمل عملًا غير صالح وإن كان بزنة النملة الصغيرة يرى جزاء عمله [2] .
فالمذكور هو المقدار الدال على القليل (مثقال ذرة) بيد أن هناك مسكوتًا عنه في الكلام وهو مافوق مقدار الذرة [3]
ونحوه قوله تعالى"وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) " [4] ، الله يضع الموازين للأعمال يوم القيامة بالعدل، وقيل هو ميزان واحد جاء بهيئة الجمع لتعدد الأعمال الموزونة به. فلا يقع الظلم على الناس ولو كان بمقدار ضئيل بزنة حبة من خردل، كذلك لايقع عليهم ما هو أكثر من ذلك [5] . و (الخردل) نوع من الحبوب، لاأشتقاق له، وهذا الأسم وقع فيه الأتفاق في التسمية بين العرب والعجم [6] . يذكر الراغب الأصفهاني أن مثقال مشتق من الثقل، وهو أسم لكل سُنج [7]
وفسر السيد محمد الصدر (قدس سره) لفظ المثقال بأنه معنى عام يشمل الأوزان الخفيفة جدًا بحيث لايمنع من مقايسته بالذرة. وأضاف ان هذا التركيب (مثقال ذرة) هو تعبير عرفي يراد به المقدار القليل الذي يدل على الكثير أو العظيم [8] .
هناك الفاظ في القرآن الكريم تساهم في اعطاء قيمة اسلوبية للنص وذلك بحسب ائتلافها مع معانيها، لأجل إستنباط القصد من وراء دلالة هذه الالفاظ في سياق معين، مثال هذا لفظة (قنطار) الواردة في قوله تعالى عند مخاطبة الأزواج وَإِلَى أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20 ) ) [9] .
إنَ القيمة المادية للقنطار، كما حددها علماء التفسير، هو ملء مسك ثور ذهبًا أو فضة، أو هو الف الف مثقال [10] ، وقيل هو سبعون الفًا أو مئة ألف رطل أو ألف ومائتا مثقال [11] ، وعمومًا دلالة هذا اللفظ يراد بها المال الكثير أو المال العظيم [12] .
ومعنى الآية الكريمة: أيُها الأزواج إذا أردتم ان تطلَقوا بعضًا من نسائكم وتستبدلوها بأخرى مكانها فيجب عليكم أن لاتأخذوا من الصداق شيئًا، إن كان الذي آتيتموها مالًا كثيرًا مقدار القنطار أو كان قليلًا منه لأن اخذكم من هذا الصداق يعد ظلمًا او اثمًا بينًا [13] .
دلالة الخطاب في الآية الكريمة النهي عن أخذ الصداق وان كان جمًا من المال بدلالة لفظ القنطار على هذا، غير أن للخطاب فحوى مغايرًا لأصل الدلالة فيه وان كان مكملًا له في المعنى، أي ان هناك دلالة إيحائية تركن في فحوى اللفظ، والدلالة الإيحائية هي نوع من الدلالة مصدرها ظل معنوي خارج عن المعنى الأصلي يلقيه اللفظ وأن لم يقطع الوشيجة بذلك المعنى الأصلي [14] ، وهذا يعزز القول بأن هناك فئة من الكلمات تتمتع بتعبيرية داخلية وطبيعية [15] .
وهذا ينطبق على لفظة قنطار التي تحمل في طياتها الدلالة على المال الكثير لكن في النظم القرآني في هذه الآية لاتقف عند هذا الحد من الدلالة، فلايوهم الظاهر أن المعنى أنه اذا كان الصداق مالًا كثيرًا (زنة قنطار) فمحرم عليكم أخذه وإن كان قليلًا (أقل من قنطار) فلا بأس عليكم، بل المعنى على الضد من ذلك فما دام محرم عليكم أخذ المال الكثير من الصداق كذلك محرم عليكم أخذ المال من الصداق وان كان قليلًا. فلفظة (قنطار) دلت في فحواها على حرمة أخذ الصداق ان كان كثيرًا وكذلك إن كان قليلًا، إذن يمكن القول أن فحوى الخطاب هو أسلوب خطابي يأتي في بعض المواضع من القرآن الكريم فيه خطاب مباشر (صريح) ، وخطاب غير مباشر (ضمني) يتبين لنا بالأشارة أو الأيماء الى معناه باستخدام نص الخطاب نفسه، فالخطاب هنا يحيل على مبنى مصرح به وآخر مشار اليه، وهذا من العادات الكلامية في لغة العرب حيث يذكر السيوطي"ومن سنن العرب أن تشير الى المعنى إشارة وتوميء ايماءً دون التصريح [16] ."
وهناك نص قرآني يتراوح فيه فحوى الخطاب بين التعبير بالقليل لإرادة الكثير وبين التعبير بالكثير إرادة القليل على وفق مايفرضه الأداء في معاني الألفاظ
(1) - سورة الزلزلة 7 - 8.
(2) - تفسير الجلالين: 599.
(3) - شرح العضد: 55.
(4) - سورة الانبياء: 47.
(5) - تفسير القرآن العظيم: 3/ 1215.
(6) - معجم المقاييس في اللغة: 144.
(7) - المفردات في غريب القرآن: 86.
(8) - منة المنان في الدفاع عن القرآن 342 - 343.
(9) - سورة النساء:20.
(10) تفسير غريب القرآن: 255.
(11) - التبيان في تفسير القرآن: 504.
(12) - مجمع البيان في تفسير القرآن 1/ 539.
(13) - الميزان في تفسير القرآن:5/ 264، وتفسير الجلالين: 5/ 81.
(14) - علم الدلالة، احمد مختار عمر:113.
(15) - الاسلوب والاسلوبية: بيير جيرو:34.
(16) - المزهر: 1/ 338.