ونحوه قوله تعالى"يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) " [1] الآية الكريمة إخبار عن يوم القيامة، فالذين أوتوا كتابهم بما فيه من أعمال صالحة بيمينهم فهؤلاء من فرحهم وسرورهم يقرأونه ويحبون قراءته ولايظلمون مقدار الفتيل ولا ماهو أكثر منه [2] .
وجاءت لفظة"نقيرًا"في قوله تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124 ) ) [3] . معنى الاية الكريمة ان من يعمل شيئًا من الأعمال الصالحة سواء أكان ذكرًا أم أنثى وهو مؤمن بالله وبما أنزله الله فهؤلاء ستكون الجنة مثابهم، ولايظلمون من الظلم قدر الشيء القليل، قدر النقرة الواقعة في ظهر النواة [4] . ولايقف الأمر عند هذا الحدَ بل مادام الظلم لايقع عليهم ماكان منه قليلًا كذلك لايقع عليهم ماكان منه الحدَ الكثير، فهذه اللفظة في سياق الآية الكريمة كالعملة النقدية لها وجهان: الأول تدل على القلة، والثاني تدل على الكثرة، غير ان المعنى الأول مذكور في الكلام، والآخر محذوف بدلالة المذكور لأنه من المحال أن يراد فقط المدلول القليل بقدر نقرة النواة، فهذا يؤدي الى القول بان الظلم القليل لايقع من الله فقط، ومن ثم قد يتوهم أن الظلم الكثير يقع منه، تنزه سبحانه عن ذلك.
أما لفظة"قطمير"فجاءت في قوله تعالى (( (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ(13 ) )) [5] .
جاءت الآية الكريمة أعلاه في خطاب الكافرين الذين يعبدون الاصنام والأوثان ونحو ذلك التي لاتملك من الأمر شيئًا ولو كان الشيء القليل بقدر قشر النواة أو غلافها، فإذا كانت على هذه الحال فكيف تعبدونها وترقبون منها حلًا لمشكلاتكم [6] .
اذن مادامت لاتملك القدرة بقدر القطمير فهي تحصيل حاصل لاتملك القدرة بما هو أكثر من ذلك، فقد رويَ عن ابن عباس (عليه السلام) في معنى الآية الكريمة: (( أي لايقدرون من ذلك على قليل ولا كثير ) ) [7] .
من خلال الأمثلة التي عُرضت يمكن أن نتبين أن هذه الألفاظ وظفت توظيفًا دلاليًا، ينبئنا عن هذا انه لايمكن أن توجد بدائل لفظية تناسب هذه التراكيب دلالة وإيحاءً ويمكن أن نستذكر قول نازك الملائكة في خصوصية بعض الألفاظ في سياقات دون غيرها"إنَ للألفاظ روحًا تستثير، إن لها شخصية وهذه الشخصية تتلون وتتغير حين يتغير السياق وتضم كلمة الى كلمة [8] ."
إن لغة القرآن الكريم قائمة على الإبلاغ، فهو نذير وبشير لذلك يتوجه المتكلم بها الى المتلقي للتأثير فيه، وادواته في هذا المضمار اللغة بكل ماتحمله من شحنات تاثير التي تفضي به الى خلق الانفعال مع النص [9] . نلاحظ هذا في القرآن الكريم في سياق التهويل في قوله تعالى (( (( (( (( (مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ(46 ) )) [10] النفح يأتي في معنى القلة [11] ، ومعنى النفحة: وقعة خفيفة من العذاب [12] . هذه الآية مسوقة للتهويل والتخويف من عذاب الله تعالى، وتعريف الإنسان بكامل عجزه وتمام ضعفه [13] .
ولفظة (نفحة) غالبًا ماتستعمل في الخير ومنه قولهم: له نفحة طيبة أي هبوب من الخير، وتاتي أحيانًا في الشر كما في الآية الكريمة، ونفحت الدابة رمت بحافرها، ونفحه السيف ضربه به [14] ومعنى النفحة الدفعة من الشيء دون معظمه، أو إدناء شيء من العذاب [15] .
القاعدة البيانية في الآية الكريمة إنعكاس الضد من الضد، بمعنى تأثير القليل من العذاب بقصد التهويل والتخويف (الكثير) . وقد تظافرت الظواهر اللفظية الأخرى الى جانب لفظة (نفحة) تعزيزًا لمعناها ودلالاتها، فجاء الخطاب بالتشكيك بـ (إن) ، ولفظ المس دون اللمس، والتقليل والتحقير في مادة (نفحة) ، خاصة أنها وردت بصيغة الافراد والتنكير، والتبعيض بـ (من) ، والتهوين في (عذاب) دون (نكال) ، وايماءٍ الرحمة في قوله تعالى (ربك) [16] .
كل هذه الوحدات الكلامية عززت معنى (نفحة) لسوقها لغرض تهويل العذاب وذلك بالتعبير عن قليله. لذلك"لايمكن فهم أية كلمة على نحو تام بمعزل عن الكلمات الأُخرى ذات الصلة بها والتي تحدد معناها" [17] ، فهذا النمط من الأداء أدى غرضًا تعبيريًا يفوق
(1) - سورة الأسراء: 71.
(2) - تفسير ابن كثير: 3/ 1103.
(3) - سورة النساء: 124.
(4) - ينظر: تفسير الجلالين: 5/ 98.
(5) - سورة فاطر: 13.
(6) - الكشاف: 3/ 627 - 628، وتفسير الأمثل: 14/ 38، وفتح القدير: 4/ 429، والتفسير ... البياني / 22/ 57.
(7) - مجمع البيان: 8/ 261.
(8) - سايكولوجية الشعر: 15.
(9) - البحث الدلالي في تفسير الميزان: 305.
(10) - سورة الانبياء: 46.
(11) - الكشاف: 3/ 191.
(12) - تفسير الجلالين: 17/ 326.
(13) - محاكاة عقلية: 121، وينظر: الكشاف: 3/ 191 والتفسير البياني: 17/ 264.
(14) - المفردات في غريب القرآن: 502.
(15) - تفسير غريب القرآن: 303.
(16) - محاكاة عقلية: 122.
(17) - اللغة والمعنى والسياق: 83.