الصفحة 5 من 9

وقيل الذرة: النملة الصغيرة أو رأس النملة الصغيرة، ولايخرج معنى الذرة عن منتهى الصغر في الاجسام [1] . ونفي الظلم عن الله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة يشمل كل مؤمن وكافر على الاطلاق، لغناه عن الظلم، لان أصل الظلم: الأنتقاص، وصفات النقص لاتجوز عليه سبحانه، لذلك فهو يستحق العبادة دون غيره [2] . واقترن نفي الظلم هنا بمقدار ذرة للدلالة على ان الله تعالى لاينقص أحدًا من أجر ماعمل ويجازيه عليه تمام الجزاء، فإن كان عمله خيرًا فيجازيه بالثواب، وان كان عمله شرًا فيجازيه بالعقاب، كل ذلك يجري بالعدل دون الظلم، فهو لايعاقب أحدا بغير استحقاقه للعقوبة [3] .

في هذا الخطاب لا يراد من القول الكريم"مثقال ذرة"المقدار الفعلي للذرة فقط بل فضلًا عن هذا أحيطت لفظة (ذرة) بدلالة أوسع وأكثر كثافة، حيث أن المراد أن الله تعالى إذا كان لايظلم بقدر مثقال ذرة فمن باب أولى أنه لايظلم أكثر من ذلك بأي نوع من أنواع الظلم وأية درجة من الظلم بأي مقدار [4] .

إذن الوظيفة الأدائية الفعلية لهذه اللفظة أنها جاءت بمعنى الشيء القليل الضئيل وفي فحواها دلت أيضًا على الشيء الكثير، وأسفر هذا التركيب (مثقال ذرة) عن معنى شرعي جديد أكثر دلالة من المعنى الحرفي أو المعجمي للذرة أو المعنى اللغوي لها، وإن كان امتدادًا لهما. فأنماط هذه الكلمات لها ظاهر في الخطاب ولها فحوى فيه، لأنه في بعض الاحيان"لاتتمتع الكلمات بمعنى، ولكنها تتمتع بوظائف" [5] ، فحوى الخطاب -اذن- لايحيل على مدلول اللفظ فقط بل يُحيل على مسكوت عنه في الكلام الذي يكون موافقًا لهذا المدلول في محل النطق لهذا قال الآمدي عنه"مايكون مدلول اللفظ في محل السكوت موافقًا لمدلوله في محل النطق" [6] ، بمعنى ان اللفظ يحمل دلالة ايحائية على مستوى انفتاح نص على نص آخر، محاولةً لسبر أغواره ومحاولة فهمه حتى ليصبح الفهم هو عملية بناء المعنى وإنتاجه، وليس الكشف عنه او الانتهاء اليه، وبذلك يُعد المحصول اللساني مؤثرًا واحدًا من مؤثرات الفهم، لابد من تغذيته بمرجعيات ذاتية قائمة على فعل الفهم من لدن المتلقي" [7] ."

يتمخض في فحوى الخطاب التفاتات سياقية خفية وإشارات دلالية، والمدلول اللفظي هنا يعني مناسبة اللفظة للحكم أو الموضوع، يتوضح هذا في الالفاظ: فتيل، ونقير، وقطمير، التي حملت معاني مقاربة مع فروق دلالية دقيقة غير أن القرآن الكريم دأب على إختيار كلماته بدقة متناهية لتتناسب والمعنى المراد"للكلمة في موضعها من القرآن سرها البياني الفريد، لاتؤديه كلمة أخرى مهما تبدو قريبة او مترادفة لها" [8] . ان لكل لفظة من هذه الالفاظ بعدًا دلاليًا خاصًا متناسبًا مع سياق التراكيب القرآنية ومتناسقًا مع مقتضيات المقام والكلام"لأن لكل لفظة دلالة خاصة وايحاءً خاصًا، وانسجامًا في التركيب" [9] .

في البدء نسترجع بذاكرة المصادر لنقف على معاني هذه الالفاظ ودلالتها. الفتيل: معناه القشرة التي في بطن النواة او في شق النواة أو النقطة في النواة. وهو لفظ مشتق من اللي أو الفتل وأصله فعول، وهو مايُفتل بين الأصابع من الوسخ وغيره [10] , أما النقير فهو النقرة في ظهر النواة [11] ، والقطمير هو الأثر في ظهر النواة [12] وقيل هو لفافة النواة [13]

او قشر النواة [14] هذه الألفاظ يضرب بها المثل للدلالة على الشيء الحقير الذي لايُعتد به، أو الشيء الطفيف، أو أدنى شيء لتقارب معانيها ودلالتها [15]

وعندما نمعن النظر في دلالة السياق في الآيات التي وردت فيها هذه الألفاظ يتضح لنا انها أفادت غير دلالة الألفاظ بذاتها، وهذا يظهر بشكل جلي من القرائن المعنوية وارتباط الكلمات بعضها ببعض، ولنأخذ مثالًا على هذا قوله تعالى) قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77 ) ) [16] سياق الآية يختص بالتحريض على الجهاد والقتال لنصرة الاسلام، فجاء الخطاب بالترغيب بالآخرة، والعزوف عن الدنيا [17] . والمعنى أن آخرة المتقي الذي يجاهد في سبيل الله سبحانه وتعالى خير من دنياه، فهي دار مقام دائم، والدنيا دار مقام زائل [18] .واقتضى هذا السياق بأن تُختتم الآية الكريمة بنفي الظلم عنه سبحانه فهو عادل لايقع الظلم منه عليكم في أعمالكم وسوف توفونها أتم الوفاء وخير الجزاء [19] ، ولن ينقص شيء من الثواب لكم، وقيل لن ينقص من الآجال المقدرة لكم [20] . فالمعنى هو نفي الظلم - وأيُ ظلم، مستويات الظلم كلها وأنواعه، وإن كان بقدر قشر النواة. وفحوى الخطاب هنا انه تعالى مادام لايقع منه الظلم بقدر ضآلة هذا الشيء (الفتيل) كذلك لايقع منه الظلم في أكثر من ذلك وليس المعنى ان الله تعالى ينفي الظلم عن نفسه ماكان بقدر قشر نواة ويظلم ماهو أكثر من هذا القدر.

العبرة بهذا الكلام أنَ لفظة (فتيلًا) في السياق أعطت دلالة إيحائية نابعة من فحوى الخطاب اللفظي أو اللغوي لها.

(1) - تفسير المنار: 5/ 86، وتفسير المؤمنين: 481.

(2) - التبيان في تفسير القرآن: 2/ 56، وينظر: 149.

(3) - تفسير المنار: 5/ 86 - 87، وتفسير المؤمنين: 481.

(4) - ينظر: البرهان في علوم القرآن: 2/ 17 ومابعدها، ودراسة المعنى عند الأصوليين: 156 ..

(5) - علم الدلالة: بيير جيرو: 42.

(6) -الإحكام في اصول الأحكام: 2/ 94.

(7) - نظرية التلقي: 29.

(8) - الاعجاز البياني للقرآن: 269.

(9) - الدلالة القرآنية عند الشريف المرتضى: 220.

(10) معاني القرآن للفراء: 1/ 273، والميزان في تفسير القرآن: 5/ 383.

(11) - المفردات في غريب القرآن:5. 5 وتفسير غريب القرآن: 298.

(12) - المفردات في غريب القرآن: 409.

(13) - تفسير الجلالين: 436، وتفسير غريب القرآن: 262.

(14) - تفسير شبر: 412.

(15) - المفردات في غريب القرآن: 373 و 409 و 505 / وتفسير الميزان: 5/ 383، وتفسير المنار: 5/ 124، وتفسير شبر: 120.

(16) - سورة النساء: 77.

(17) - ينظر: تفسير ابن كثير: 1/ 52، والتفسير البياني: 5/ 291.

(18) - ينظر: تفسير ابن كثير: 1/ 54، وتفسير المنار: 5/ 125، وصفوة التفاسير: 5/ 291.

(19) - تفسير الميزان: 5/ 291.

(20) - تفسير البيضاوي: 1/ 255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت