ودلالاتها الإيحائية، وهو قوله تعالى"* وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ (( (( (( (( (( (( ( ..." [1] ، فقد أستشهد الزركشي بهذه الآية الكريمة، وجعل الكلام فيها من التنبيه في الخطاب حيث قال"وأما - أي التنبيه - بالكثير على القليل، كقوله تعالى"ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار يؤده اليك، فهذا من التنبيه على انه يؤدي اليك الدينار وما تحته، ثم قال"ومنهم من أن تأمنه بدينار لايؤده اليك"فهذا من الأول، وهو التنبيه بالقليل على الكثير - فدل بالتنبيه على انك لاتأمنه بقنطار، بعكس الأول" [2] ."
نلاحظ للوهلة الأولى وجود التقابل الدلالي في الآية أعلاه، المتمخض عن علاقة دلالية قائمة بين الكثير (قنطار) والقليل (دينار) [3] ولاشك أن"لمبدأ التقابل اهميته الدلالية التي يعتمد عليها في التفسير الدلالي" [4] .
ولايقف التقابل الدلالي في الألفاظ بين هذين اللفظين، بل جاء تقابل دلالي آخر بين صنفين من أهل الكتاب، الصنف الأول: النصارى الذين اذا أؤتمنوا المال الكثير (قنطار) ردوه الى المؤتمن من المسلمين، لأنهم لايستحلون أموال من خالفهم في عقيدتهم [5] . والصنف الآخر: اليهود الذين اذا أؤتمنوا المال ولو القليل منه (دينار) لايردوه ابدًا لأنهم قالوا: ليس علينا بأس فيما اصبنا من أموال العرب لانهم أهل شرك، أو لأنهم تركوا دينهم الذي عاملناهم عليه الى دين آخر، وادعوا انهم وجدوا ذلك في كتابهم المقدس [6] .
انه تقابل لفظي لغوي بين قنطار ودينار، وهو أيضًا تقابل دلالي بين الكثرة والقلة، فقنطار يدل هنا على المال الكثير وأيضًا يحمل في فحواه معنى أداء الأمانة، فإذا كانت طائفة النصارى تؤدي الأمانة ان كانت بمقدار القنطار فلاريب في أنها تؤدي ماكان أقل من ذلك بقليل أو بكثير، ومثله الدينار فهو يدل على أن طائفة اليهود لاتؤدي الأمانة ان كانت دينارًا أو أكثر من الدينار.
في حقائق الكلمات هنا يكمن فحوى خطابها، في نوعيتها لا في كميتها، وقد جاءت صياغة النص وحدة متماسكة متكاملة بكل عُراها لتصل الى هدف واحد وهو بيان خيانة اليهود وخداعهم مقابل صدق النصارى، وقد تحقق ذلك من خلال انتقاء المشرع الكلمة المؤثرة المعبرة النابضة بالحياة التي يتعذر إبدالها بأخرى.
ونحوه قوله تعالى"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) " [7] في هذه الآية الكريمة يخبرنا الله عزَ وجلَ أنَ منْ كفر ومات على الكفر لن يقبل منه ملء الأرض من الذهب لكي يفتدي به من العذاب الأليم، ذلك لغة هو أسم للمقدار الذي يُملى بالشيء ومعناه تطفيح الإناء، ومنه الملأ وهم أشراف القوم يملؤون العين هيبة وجلالًا. ومعنى (ولو أفتدى) الفداء وهو بذل العوض عن الأذى، فالكافر الذي يعتقد الكفر وإن أظهر الإيمان لن ينفعه ان يبذل في الانفاق مقدار مسك الأرض ذهبًا [8] .
فقوله (ملء الأرض ذهبًا) دلالة على الأفتداء الكثير لكنهم لو جاءوا بأكثر من هذا الفتداء أو أقل منه لن يقبل الله تعالى من أحدهم هذا العوض عن العذاب الأليم.
ومنه قوله تعالى مخاطبًا النبي محمد (ص) "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) " [9] والمعنى: يا محمد أن تستغفر لهؤلاء الذين خرجوا عن دين الله وملته وكفروا بي وبرسولي سبعين مرة فلن ينالهم غفرانه، والله لايهدي القوم الذين فسقوا وكفروا، وقوله (سبعين مرة) المراد به الكثرة والمبالغة في الأستغفار ويدل ان المانع من المغفرة لهم كفرهم، ولن يتغير هذا المانع بالأستغفار قليلهُ أو كثيره [10] .
في النص القرآني الكريم توجد ألفاظ تحمل إيحاءات متعددة، تنبثق عنها مدلولات جديدة، بمعنى انه لايمكن الوقوف على حدود أُفقية المعنى أو أحادية الدلالة، فالمعنى الحرفي أو المدلول اللفظي لايغني النص مفهومًا وتفسيرًا إذ يطرح النص علاقة جديدة بين الدال والمدلول، أكثر نماء للمعاني وأوسع مدلولًا، كل هذا رهنًا بسياق النص نفسه، لأنه"يؤثر تأثيرًا"
(1) - سورة آل عمران: 75.
(2) - البرهان في علوم القرآن: 2/ 19.
(3) - التقابل الدلالي عُرف عند القدماء بالمقابل، وقد عرَف ابو هلال العسكري المقابلة بقوله ...:"ايراد الكلام في مقابلته بمثله في المعنى على جهة الموافقة او المخالفة"كتاب ... الصناعتين: 346، والذي يعنينا المخالفة.
(4) - ظاهرة التقابل في علم الدلالة (بحث) : 24 د. احمد نصيف الجنابي، مجلة آداب المستنصرية، ع 10، سنة 1984 م.
(5) - ينظر البيان في تفسير القرآن: 3/ 505، ومجمع البيان: 10/ 590،3/ 211، 3/ 211.
(6) - ينظر: البيان في تفسير القرآن: 3/ 505 وتفسير شبر: 93.
(7) - سورة آل عمران: 91.
(8) - التبيان في تفسير القرآن: 2/ 528، وجمع البيان في تفسير القرآن: 2/ 601 - 602.
(9) - سورة التوبة: 80.
(10) - تفسير الجلالين: 200.