الصفحة 9 من 9

كبيرًا في تحديد المفردات القُرآنية، وذلك لخصوص الأستخدام القرآني لعدد من الالفاظ، ولاسيما أن النظم القرآني إكتسبت به قسم من الألفاظ دلالات خاصة من معانيها العامة أوصار لبعضها دلالة جديدة غير معهودة سابقًا تطلبها السياق القرآني أو الجو الديني العام" [1] كما في قوله تعالى (( (( (( (( (( (مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ(25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (( (( ... ) [2] ، يتجلى فحوى الخطاب في هذه الآية الكريمة في اللفظ"ختام"ولنعرج قليلًا على تتبع الأثر المعجمي له: ختام مشتق من ختم وهو الأثر الحاصل عن النقش، وقيل يختتم به أي يطبع ويتجوز بذلك للإستيثاق من الشيء [3] ."

ومعنى ختامه مسك كما ذكر الراغب الأصفهاني (ت 52 هـ) وخاتمه شُرَبه: في الطيب مسك، وقول من قال يختم بالمسك أي يُطبع فليس بشيء لأن الشراب يجب أن يُطيب في نفسه فاما ختمه بالطيب فليس مما يفيده ولاينفعه طيب خاتمه مالم يطُب في نفسه" [4] ."

وقال الزركشي"وانما يُرى من الكأس الختام، واعلى ماعندنا رائحة المسك وهو ادنى شراب اهل الجنة، فليتبين اللبيب اذا كان الثقل [5] الذي فيه المسك أيش يكون حشو الكأس فيظهر فضل حشو الكأس بفضل الختام وهو من التنبيه الخفي" [6] . ورأى الصغاني (1182 هـ) ان معنى (ختامه مسك) "أي آخر طعمه وعاقبته اذا شُرب: أي يوجد في آخره طعم المسك ورائحته ويقال للعطار إذا أشتريَ منه الطيب: إجعل ختامه مسك" [7] .

فإذا كان كأس الشراب في الجنة في جزء منه (خاتمته) رائحة المسك، فهذا دليل على ان الكأس كله من الطيب والرائحة الزكية ما هو أعلى من ذلك واشرف وأجمل مذاقًا، وهكذا جاءت الآية الكريمة في وصف شراب أهل الجنة لكن لم يأت الوصف للكأس كله بل انتفى المتكلم جزءًا منه وهو الختام ووصفه بالمسك ليعبر بهذا الجزء عن الكل، وربما مسوغ هذا التعبير لخلق التشويق عند المخاطبين، فاذا ماذكر بعض الشيء وتُرك البعض الآخر غامضًا فإن هذا يؤدي عند المتلقي الى أعمال الذهن والتشويق للمسكوت عنه، والله اعلم.

من هنا يمكن القول ان لفظة (ختام) لم تأت لأداء وظيفة معنوية ودلالية محددة، بل هذه اللفظة ومثيلاتها كشفت في هذا السياق عما أخفته الكلمات والألفاظ، كشفت عن إيحاء دلالي منطلق من فحوى هذه اللفظة، إذ لم تدل على جزء مما في الكأس بل على كل مما فيه.

ونظير هذا ماجاء في قوله تعالى (( (( (( (( (( (( عَلَى فُرُشٍ (( (( (( (( (( (( (مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (( (( ... ) [8] "بطائن"جمع بطانة، وهي خلاف الظهارة، ومنه أن يقال: بطنت ثوبي بآخر جعلته تحته [9] ، ومعنى"بطائنها من استبرق"أنَ هذه البطائن من الديباج الخشن [10] ، فأذا كانت بطائن فرش أهل الجنة على هذا النحو كله فإن الظواهر او الوجوه في الشرف والعلو الى غاية لايعقل معناها [11] ، حتى ذهب البعض الى أن هذه الظواهر من نور أو من سندس. [12]

الآية الكريمة جاءت في وصف فراش أهل الجنة، لكن هذا الوصف لم يرد لهذه الفرش بتمامها بل بجزء منها - فقد وصفت البواطن دون الظواهر - على الرغم من أن الأصل الظواهر لانها هي البادية للعيان، لكن السياق القرآني اختار وصف البطائن وسكت عن وصف الظواهر للتدليل على انه اذا كانت البطائن من الأستبرق فالظواهر أكثر من ذلك بدلالة (البطائن) ، فهذه اللفظة في فحواها دلت على وصف البطائن والظواهر معًا.

ونجد كذلك لفظة (حول) التي ترد بمعنى الجزء وتدل في فحواها على الكل كما في قوله تعالى (( (( (( (( (( الَّذِي (( (( (( (( بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا(1 ) ) [13] .

حول الشيء بمعنى جانبه الذي يمكنه ان يُحَول اليه [14] غير أنه في الآية الكريمة لايقتصر على حلول البركة في بيت المقدس في جزء منه أو جانب فيه بل حلت البركة فيه من الجوانب جميعها والاركان جميعها"فنبه على حصول البركة فيه من باب ولى" [15] في الدين بجعله مهبطًا للوحي ومقرًا للأنبياء، وفي الدنيا بالأشجار والثمار والأنهار [16] .

ومما جاء أيضًا في التعبير بالجزء إرادة الكل قوله تعالى"يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ"

(1) - الدلالة القرآنية عند الشريف المرتضى: 162.

(2) - سورة المطففين: 25 - 26.

(3) - المفردات في غريب القرآن: 149.

(4) - المصدر نفسه.

(5) (- الثقل: بالضم ماسفل من كل شيء، الصحاح: 84 -

(6) - البرهان في علوم القرآن: 2/ 20 - 21.

(7) - تفسير غريب القرآن: 159، وينظر تفسير الجلالين: 588. والتفسير البياني: 30/ 534.

(8) - سورة الرحمن: 54.

(9) - المفردات في غريب القرآن: 62.

(10) - تفسير غريب القرآن: 96 وتفسير شبر: 498.

(11) - البرهان في علوم القرآن: 2/ 20، والكشاف: 4/ 49، وجامع البيان في تفسير القرآن: 25/ 193 - 194 ..

(12) - الكشاف: 4/ 49، وتفسير القرآن العظيم: 4/ 432 - 433.ٍ

(13) - سورة الاسراء: 1.

(14) - المفردات في غريب القرآن: 143.

(15) - البرهان في علوم القرآن: 2/ 21.

(16) - الكشاف: 3/ 2 - 3، وتفسير الجلالين: 282، وتفسير شبر: 279، والتفسير البياني: 15/ 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت