وأربعين وتسعمائة (947) بيت كامل من الشعر وستا وثلاثمائة (306) عبارة وستة وتسعين ومائتي (296) رأي لأئمة النحاة السابقين عليه وعددا لا يحصى من الأمثلة التي صاغها سيبويه قياسا على ما هو مستعمل من لغة العرب. ويعدّ الكتاب مجمعا للتراث النحوي في مرحلة زمنية تقع بين سنة تسع وستين وسنة ثمانين ومئة للهجرة (69 هـ-180 هـ) أي بين وفاة أبي الأسود الدؤلي ووفاة سيبويه ففي هذا الكتاب من تراث الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175 هـ) ويونس بن حبيب (ت 182 هـ) وعيسى بن عمر الثقفي (ت 149 هـ) وأبي عمرو بن العلاء (ت 154 هـ) وابن أبي إسحاق الحضرمي (ت 117 هـ) إلى جانب ما استنبطه سيبويه [1] ويتجلى ذلك في طريقة عرض مسائله، وتصنيف أبوابه، ونظم كلامه، فثمة أثر ظاهر ووسم خفي من نفس صاحبه وما تنطوي عليه من خبيء مقاصده ودفين نظراته ومستور فكره.
تحدث العلماء عن استغناء الكتاب في علمه عن غيره من الكتب، فهذا المبرد (ت 285 هـ) يقول: «لم يُعمل كتابٌ في علم من العلوم مثل سيبويه، وذلك أن الكتب المصنفة في العلوم الأخرى مضطرة إلى غيرها وكتاب سيبويه لا يحتاج من فهمه إلى غيره» [2] بل احتاج غيره إليه، فقد كان بمنزلة خزانة للكتب احتواها بالقوة في ضميره وتمخض عنها الزمن بالفعل من بعد وفاته. وهذا وقد اعتبره العلماء - أيضا- كتاب نظر وتفسير «والمراد بالنظر والتفسير الارتقاء من حفظ النص إلى فقهه والانتقال من إيراد النص إلى الكلام فيه» [3] ، قال أبو حيان النحوي (ت 745 هـ) : «فالكتاب هو المرقاة إلى فهم الكتاب إذ هو المُطْلِعُ على علم الإعراب، والمبدي من معالمه ما درس والمُنْطِقُ من لسانه ما خرس» [4] ولقد تحدث ابن جنى (ت 392 هـ) عن انتظام النحاة في سلك الكتاب من بعده، لأنّه جمع مادة ضخمة وابتكر وضعا نظريا جديدا في جمع المادة وتصنيفها [5] ، قال ابن جنى: «حَطَب بكتابه - وهو ألف ورقة- علمًا
(1) - محمد خير الحلواني، أصول النحو العربي، (د ط) . حلب: 1979، مطبعة الشرق بحلوح، ص 17.
(2) - عبد القادر بن عمر البغدادي، خزانة الأدب ولبّ لسان العرب، (طبعة بولاق) . بيروت: (د ت) ، دار صادر، ج 1 ص 179.
(3) - عبد الرحمن بودرع، الأساس المعرفي للغويات العربية، ط 1. المغرب: 2000، منشورات نادي الكتاب لكلية الآداب بتطوان ص 75.
(4) - أبو حيان محمد بن يونس النحوي، البحر المحيط، ط 2. د ب: 1983، دار الفكر، ج 1، ص 3.
(5) - عبد الرحمن بودرع، الأساس المعرفي للغويات العربية، ص 75.