مبتكرًا ووضعا متجاوزا لما يُسْمَعُ ويُرى قلّما تُسْنَدُ إليه حكايةٌ أو تُوصَل به روايةٌ إلاّ الشاذُ الفذ الذي لا حَفَلَ به ولا قَدَرَ، فلولا تحفُّظ من يَلِيه ولُزُومه طريقة ما يعنيه لكَثُرَت الحكاياتُ عنه ونيطتْ أسبابها به، لكن أخلد كلّ إنسان إلى عصمته وادَّرَع جلبَاب ثِقتِه وحَمَى جانبه من صدقه وأمانته وما أريدَ من صونِ هذا العلم الشريف له به ... » [1] .
لقد كان الكتاب نصًا نحويًا متميّزًا تحكمه قوانين النظم والصياغة حتى استحق أن يكون متنا مقدّما يأتمُّ به من جاء بعده من النحويين. ولقد بذل سيبويه جهدا لا يقدره إلاّ من تعرض بالنظرة الفاحصة لكتابه، إذ قدم النحو موفور العناصر كامل التحليلات لا يكاد يعوزه إلاّ استخلاص الضوابط واستنباط الأصول، قدم النحو في أفكار رئيسة وأبواب شاملة، يستحضرها ويضع المعالم لها ويتعرف حاجتها من الأمثلة الحية، «مبرزا الصلة العضوية بين النظريات النحوية والاستعمالات اللغوية، فيجمعها ويصنفها، ثم يعرضها جملة أو آحادا وينظر فيها تصعيدا وتصويبا، يحلل التراكيب، ويؤول الألفاظ، ويقدّر المضمر ويستخلص المقصود والمعنى المراد، وفي خلال ذلك يوازن ويقيس ويذكر، ويعد ويستقي الذوق» [2] .
يعتبر الكتاب نبعا ثرا يرده البلاغي فيجد فيه تقسيم الكلام إلى «مستقيم حسن ومحال ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب» [3] ، كما تجد فيه الحديث عن الإيجاز والحذف [4] أو «تجد في باب اللفظ للمعاني» [5] الإشارة إلى الترادف اللفظي وما للمعاني من صلة بالألفاظ اختلافا واتفاقا، وقد وجد الجرجاني (ت 474 هـ) مادة ضخمة كان لها دور ملموس في كثير من آرائه، إذ احتذى حذو سيبويه حتى في الأمثلة نفسها. ويرده الشاعر والناقد والأديبُ ليعرف ما يحتمل الشعر من ضرورات كصرف ما لا ينصرف، أو إشباع الحركة ليستقيم الوزن، أو فك المدغم أو تضعيف الحرف إلى غير ذلك [6] . كما يرده اللغوي
(1) - ابن جني أبو الفتح عثمان بن جني، الخصائص، تح: علي النجار، ط 2. مصر: 1986، الهيئة المصرية العامة للكتاب ج 3، ص 312.
(2) - عوض حمد القوزي، المصطلح النحوي، ط 1. الجزائر: 1983، ديوان المطبوعات الجامعية، ص 123.
(3) - سيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، الكتاب، تح: عبد السلام محمد هارون، ط:1. بيروت: د ت، دار الجيل، ج 1، ص 25.
(4) - المصدر نفسه، ج 1، ص 211.
(5) - المصدر نفسه، ج 1، ص 24.
(6) - عوض حمد القوزي، المصطلح النحوي، ص 124.