الصفحة 3 من 12

الخطابية ما يبلّغه مراده، وإن كان هدفه السيطرة مثلًا، فإنه يعمد إلى الأدوات التي تكفل تحقيقها. وتنعكس هذه العوامل بشتى ضروبها في شكل الخطاب وآلياته، وتصبح عنصرًا فعّالًا في تحقيق الخطاب آثاره ونتائجه.

المرسَل إليه، وهو طرف الخطاب الثاني، وإليه تتجه لغة الخطاب التي تعبر عن مقاصد المرسل. وعليه فإنه يمارس بشكل غير مباشر دورًا في توجيه المرسل عند اختيار أدواته وصياغة خطابه، وذلك بحضوره العيني أو الذهني، انطلاقًا من علاقاته السابقة بالمرسل وموقفه منه ومن الموضوعات التي يتناولها الخطاب. يتضح ذلك عند اختيار الابن مثلًا لعبارة: لو تكرّمت؛ عندما يطلب من أبيه شيئًا من المال، فعندما يخاطب أباه، فإنّه سيقول له: لو تكرّمت يا أبي، أريد بضعة ريالات، إذ لا يستطيع أن يخاطبه بقوله: أعطني بضعة ريالات، لما لمقام أبيه من رفعة فوق مقامه هو. كل ذلك يترك أثره، بوصفه هو الذي يمارس تفكيك الخطاب، ويؤوّله، لمعرفة مقاصد المرسل وأهداف الخطاب التي يرى أنه يريد تحقيقها.

السياق، وهو الإطار العام الذي يسهم في ترجيح أدوات بعينها واختيار آليات مناسبة لعملية الإفهام والفهم بين طرفي الخطاب، وذلك من خلال عدد من العناصر، فمن عناصره العلاقة بين المتخاطبين سواء أكانت سلبية أم إيجابية، ولذلك فعدم وجودها يُعدُّ توجيهًا للمرسل في اختياراته. ومن عناصره الزمان والمكان اللذان يتلفّظ فيهما المرسل بخطابه، فما يصلح لزمان قد لا يصلح لزمان آخر، فتحيّة الصباح لا تصلح للمساء، وكذلك تحيّة المساء لا تصلح للصباح، إلاّ إذا كان المرسل يقصد معنيً آخر من خطابه، غير ما يدلّ عليه معنى التحيّة الحرفيّ. وما يناسب مكانًا قد لا يناسب مكانًا آخر؛ فمعرفة عناصر السياق تسهم في عملية التعبير عن المقاصد والاستدلال لإدراكها. وعليه فإن اختيار الأدوات والآليات اللغوية يعد انعكاسًا للعناصر التي تشكّل في مجموعها سياقًا معينًا يبرز من خلال لغة الخطاب، وبمعرفته يمكن تفكيك هذه اللغة للوصول إلى المعنى المقصود أو الغرض المراد.

الخطاب، وهو ثمرة اجتماع العناصر الثلاثة السابقة، ففيه تبرز الأدوات اللغوية والآليات الخطابية المنتقاة، ومن خلال تتبع خصائصه التعبيرية يمكن معرفة الكيفية التي تعامل بها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت